الصفحة 30 من 41

لأهل التوحيد توحيدهم، إلاَّ باعتزال أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم، فهم معتزلة بهذا الاعتبار، لأنهم اعتزلوا أهل الشرك، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام". [1] "

وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمه الله عمن لم يكفر الدولة التركية في زمانه [2] ومن جرَّهم على المسلمين، واختار ولايتهم، وأنه يلزمهم الجهاد معه، والآخر لا يرى ذلك كله، بل الدولة ومن جرهم بُغاة، ولا يحل منهم إلاَّ ما يحل من البُغاة، فأجاب:"من لم يعرف كُفر الدولة، ولم يُفرق بينهم وبين البُغاة من المسلمين لم يعرف معنى لا إله إلا الله، فإن اعتقد مع ذلك أن الدولة مسلمون، فهو أشد وأعظم، وهذا هو الشك في كفر من كفر بالله وأشرك به، ومن جرَّهم وأعانهم على المسلمين، بأي إعانة، فهي ردَّة صريحة" [3] . قلت: فكيف لو أدرك رحمه الله من يعتقد أن الموحدين هم البغاة وأن دويلات الديمقراطية هم أهل العدل والولاية!

وبقيت طائفة من الناس يأتي بعضهم بفعل أو قول محتمل الدلالة على الكفر أو ينكر مسألة خفية تحتاج بيانا وإقامة حجة، أو كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ بعيدا عن العلم وأهله ولم يقصر في طلبه فوقع في أمر مكفر، فهذا الذي يُرجع فيه إلى أهل العلم والفتوى في هذه المسائل للنظر في أمره قبل تكفيره، وليس الأمر خاصا بقضاة الإسلام ومن باب أولى بمشايخ الإرجاء والتجهم أو قضاة الطاغوت! قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله"إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضوح المحجة". [4]

وحتى هذا النوع الأخير من الناس، فإنه يوجد في حكمه قيد يجب مراعاته عند أهل العلم، يتجاهله أهل التجهم، وهو أن يكون مقدورا عليه ولم يخرج عن حكم الإسلام وقضاءه ولم يمتنع بسلاح أو فرار إلى بلد الكفر. فمثل هذا إن وقع في أمر مكفر مع مظنة وجود شبهة في حقه فإنه بامتناعه هذا يسقط عن نفسه حكم الاستتابة ويكفّر دون إقامة حجة، ودليل ذلك إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة وأتباع مسيلمة الكذاب ومستحلي الربا من أهل الطائف وغيرهم من طوائف الردة دون استتابة أو إقامة حجة خلافا لما وقع مع قدامة بن مظعون وغيره ممن استتيب. لهذا قال شيخ الإسلام بن تيمية في كتابه الصارم المسلول"ولأن المرتد لو امتنع، بأن يلحق بدار الحرب أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام، فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد"، إلى أن قال"إنما يستتاب المقدور عليه" [5] ولا شك أن طواغيت الحكم في زماننا يدخلون في هذا الحكم من الباب العريض فترك تكفيرهم هو المزلق الخطير

(1) قاله الشيخ عبد الرحمن بن حسن في الدرر السنية 11/ 434.

(2) انظر في بيان كفريات هذه الدولة ما جمعه الشيخ ناصر الفهد فك الله أسره:"الدولة العثمانية وموقف دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب منها".

(3) الدرر السنية 10/ 429.

(4) الدرر السنية 8/ 244

(5) ص 322 و 327

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت