الجاهلية، وهذا إذا غضضنا الطرف عن أوصاف التنقّص والتحقير التي ينزلها بعضهم على شرع الله من حين لآخر، مما يزيدهم كفرا على كفر!
يقول الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير في وصف القوانين التي فرضت على المسلمين:"وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام الشريعة أو ما خالفها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة لا اتباعًا لها ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، لا يجوز لمسلم أن يخضع له، ويرضى به". [1] اهـ
وكلامه واضح لا يحتاج إلى تعليق وفيه فائدة عظيمة يغفل عنها الكثير ممن ينتسب إلى الدعوة الإسلامية اليوم، فالشيخ رحمه الله يقرر أن من حكّم غير الشريعة في قضاء المسلمين ونزاعاتهم فقد اتخذ دينا غير دين الإسلام، لكنه يبين مسألة أخرى وهي أن من كان في أصل حكمه يرد إلى غير الشريعة فإن تطبيقه لبعض أحكامها لا يجعل من هذه الأحكام إيمانا وطاعة بل هي لا تخرج عن الحكم العام للقانون وإن كانت في ظاهرها موافقة لحكم الشريعة لأنها جاءت تبعا للقانون والدستور ولم تأت عن انقياد وتسليم لأمر الله. وهذا يفسد على من يترك الطرق الشرعية ويعمل على تطبيق أحكام الشريعة عن طريق البرلمانات الشركية ويبين أن عمله هذا هباء منثورا ووبالا عليه، لأن الحكم لا يكون شرعيا وهو فاقد لأحد أركان الشرعية وهو التسليم لأمر الله ويكون مرجعه الدستور والقانون الطاغوتي. ولولد الددو من هذا الباب نصيب كما جاء في فتواه حول الانتخابات وإلزامه المشاركة فيها!
لقد تبين لكل منصف أن ولد الددو لم يتعرض لهذه الصور من الحكم بغير ما أنزل الله والتي نقل ابن كثير وابن حزم قبله الإجماع على كفر من فعلها وردته إن كان مسلما، لكنه كتمها عالما بها يقينا، عالما بقول شيخ الشناقطة الإمام المفسر صاحب أضواء البيان:"وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" [2] . فأين يضع ولد الددو نفسه من هذا الكلام؟!
نأتي بعد ذلك إلى صورة أخرى من صور الحكم بغير ما أنزل الله وهي صورة الحاكم الملتزم ابتداء بالرد عند التنازع إلى شرع الله وتتم له بيعة على الكتاب والسنة كما جرى عليه العمل على امتداد التاريخ الإسلامي -إلا ما ندر- ثم أدخل عليها شرعا يخالف حكما من أحكام الشريعة القطعية المتواترة كمن جعل حد السارق السجن، فما حكمه؟
نحن سنناقش الكلام في هذه المسألة من ناحية نظرية فقط، لأنه ظاهر لكل ذي عينين أنها صورة لا وجود لها في واقع بلادنا، فحتى ما يسمونه بالدولة السعودية وهي تزعم أنها تحكم بالشريعة، فإنها ترد في نزاعاتها إلى طواغيت الأمم المتحدة والجامعة العربية وهيئة التعاون الخليجي وقوانينها الوضعية، ولها أيضا
(1) عمدة التفسير 3/ 214 - 215
(2) أضواء البيان 3/ 259