الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى الْمَلَائِكَةَ. قُلْتُ: رُؤْيَةُ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرِ الْبَشَرِ أَمْرٌ وَاضِحٌ ثَبَتَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُنَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِرْسَالِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَمُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُمْ بِتَبْلِيغِ الْمَرَامِ زِيَادَةً عَلَى مَرْتَبَةِ الْإِلْهَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ تَحْقِيقًا لَخَتْمِ النُّبُوَّةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [1]
من فوائد الحديث:
1 -فضل الزيارة في الله عز وجل، والتي يكون الباعث عليها الحب في الله تعالى وليس غرض من أغراض الدنيا، أو مصلحة من المصالح العاجلة، فهي سبب لمحبة الله تعالى للعبد، وسبب لدخول الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلًا» [2]
وعن مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ» (4) .
ومن ثم قال الفقهاء: تُسَنُّ زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَالإِْخْوَانِ، وَالأَْصْدِقَاءِ وَالْجِيرَانِ، وَالأَْقَارِبِ وَصِلَتُهُمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضُونَهُ، وَفِي وَقْتٍ لاَ يَكْرَهُونَهُ. كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ أَخِيهِ الصَّالِحِ أَنْ يَزُورَهُ وَيُكْثِرَ زِيَارَتَهُ إِذَا لَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ [3] .
2 -الزيارة في الله عز وجل فيها فوائد جمة؛ فهي تؤلف القلوب، وتزيد الإيمان، وتفرح النفس، وفيها التناصح والتعاون على الخير، عن سُفْيَانَ، قال: قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ:"مَا بَقِيَ مِنْ لَذَّتِكَ؟ قَالَ: الْتِقَاءُ الْإِخْوَانِ , وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ" [4] ، وقال الحسن البصري:"إخواننا أحب إلينا من أهلينا؛ إخواننا يذكرونا بالآخرة، وأهلونا يذكرونا بالدنيا" [5] .
3 -إثبات صفة المحبة لله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه، بلا تأويل ولا تكييف، ولا تشبيه ولا تمثيل، فالله يُحب من شاء من عباده، يحب التوابين، ويحب المتطهرين، والمتقين، والمحسنين، والمتزاورين فيه، والمتحابين فيه [6] .
4 -الإيمان بالملائكة، وأنهم قد يأتون في صورة البشر كما في هذا الحديث، وقال الله تعالى عن جبريل - عليه السلام: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) [مريم: 17] .وأَنَّ الْآدَمِيِّينَ قَدْ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة [7] .
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3134)
(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 365) (2008) حسن
(3) - الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (24/ 81) وروضة الطالبين 10/ 237.
(4) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 297) صحيح مقطوع
(5) - موسوعة خطب المنبر (ص: 3607) وإحياء علوم الدين (2/ 176) والقواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان (ص: 27) وقوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد (2/ 367)
(6) - انظر كتابي:"الذين يحبهم الله تعالى"
(7) - انظر كتابي"الخلاصة في أركان الإيمان"وكتابي"الإيمانُ بالملائكة وبيانُ صفاتهم"