عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى"قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُدْيَةَ» [1] .
شرح المفردات:
(الْمُدْيَة) بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرهَا وَفَتْحهَ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تَقْطَع مَدَى حَيَاة الْحَيَوَان.
(وَالسِّكِّين) تُذَكَّر وَتُؤَنَّث لُغَتَانِ، وَيُقَال أَيْضًا: سِكِّينَة لِأَنَّهَا تُسَكِّن حَرَكَة الْحَيَوَان. [2]
شرح الحديث:
قَالَ: أَتَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَانِ")، أَيْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ابْنٌ (جَاءَ الذِّئْبُ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا) أَيْ: رَفِيقَةُ إِحْدَاهُمَا الَّتِي ذَهَبَ بِابْنِهَا (إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ) . وَلَعَلَّ الْوَلَدَيْنِ كَانَا شَبِيهَيْنِ، أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَاذِبَةً، لَكِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَسْتَأْنِسَ بِالْمَوْجُودِ بَدَلًا عَنِ الْمَفْقُودِ، أَوْ لِأَغْرَاضٍ أُخَرَ فَاسِدَةٍ وَأَمْكَارٍ كَاسِدَةٍ. (فَتَحَاكَمَتَا) أَيْ: فَرَفَعَتَا الْحُكُومَةَ (إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ) أَيْ: حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِلْكُبْرَى)، إِمَّا لِكَوْنِهِ فِي يَدِهَا عَلَى مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَةَ الْيَدِ أَوْلَى، أَوْ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِهَا عَلَى اعْتِبَارِ عِلْمِ الْقِيَافَةِ، كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، (فَخَرَجَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ) ، أَيْ مَارَّتَيْنِ عَلَيْهِ (فَأَخْبَرَتَاهُ) ، أَيْ: مِمَّا سَبَقَ مِنْ حَالِهِمَا وَتَحَقَّقَ مِنْ مَآلِهِمَا (فَقَالَ) أَيْ: لِخَدَمِهِ (ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقَّهُ) : بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: أَنَا أَقْطَعُ الْوَلَدَ نِصْفَيْنِ (بَيْنَكُمَا) أَيْ: مَقْسُومَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ أَنَّكُمَا لَمْ تُظْهِرَا لِي الصِّدْقَ فِي أَمْرِهِ، وَلَعَلَّ الْأُخْرَى أَيْضًا كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُتَعَلِّقَةً بِالْوَلَدِ مُتَمَسِّكَةً بِالْيَدِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّنْصِيفِ، وَإِنَّمَا صَوَّرَ لَهُمَا هَذَا التَّصْوِيرَ تَوَسُّلًا إِلَى مَا أَرَادَ بِهِ مِنْ ظُهُورِ أَمَارَةِ التَّأْلِيفِ (فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ) ، أَيْ الشَّقَّ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) أَيْ: كَمَا أَوْقَعَنِي فِي الرَّحْمَةِ عَلَى وَلَدِي (هُوَ ابْنُهَا) ، أَيْ رَضِيتُ بِأَنَّهُ يَكُونُ ابْنَهَا وَهُوَ حَيٌّ، وَلَا أَرْضَى بِالشَّقِّ الْمُفْضِي إِلَى مَوْتِهِ، (فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) . أَيْ لِوُجُودِ قَرِينَةِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ فِيهَا، وَتَحَقُّقِ الْقَسَاوَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَالْغَفْلَةِ، بَلْ"
(1) - صحيح البخاري (8/ 156) (6769) وصحيح مسلم (3/ 1344) 20 - (1720)
[ش (لا يرحمك الله) معناه لا تشقه ثم استأنفت فقالت يرحمك الله هو ابنها قال العلماء ويستحب أن يقال في مثل هذا بالواو فيقال لا ويرحمك الله (المدية) بضم الميم وفتحها وكسرها سميت به لأنها تقطع مدى حياة الحيوان]
(2) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري (23/ 262) (9676)