عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً" [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -"أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟" [2]
الغريب:
لَدَغَتْهُ: أَيْ قَرَصَتْهُ. جَهَازهِ: مَتَاعه.
وَقَرْيَة النَّمْل: مَوْضِع اِجْتِمَاعهنَّ.
فَهَلَّا نَمْلَة وَاحِدَة: فَهَلَّا أَحْرَقْتَ نَمْلَة وَاحِدَة، وَهِيَ الَّتِي آذَتْكَ، بِخِلَافِ غَيْرهَا فَلَمْ يَصْدُر مِنْهَا جِنَايَة
دروس وعبر من القصة:
1 -قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنْ كَانَ هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي أَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ هُوَ هَذَا الْقَائِلَ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْرَاقِ قَرْيَةِ النَّمْلِ تَشْبِيهًا لَهُ عَلَى إِعْرَاضِهِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ بِعِبَادِهِ مِنْ رَحْمَةٍ وَعَذَابٍ، لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ، وَالْمُلْكَ مُلْكُهُ، وَلَيْسَ آمِرٌ وَلَا لَهُ زَاجِرٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَيُحْدِثَ فِي مُلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، بَلْ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ شَاءَ لِمَا شَاءَ، فَإِنْ رَحِمَهُمْ وَنَعَّمَهُمْ، فَهُوَ الْمُتَفَضِّلُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ هُوَ عَذَّبَهُمْ وَأَلَّمَهُمْ فَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَعَذَّبَهُمْ، وَهُوَ لَهُمْ غَيْرُ ظَالِمٍ» ، فَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ إِنَّمَا يَسْأَلُهُ مَنْ هُوَ تَحْتَ قَدْرِهِ لِغَيْرِهِ، وَفَوْقَهُ أَمْرٌ وَلَهُ سَانٌّ سَنَّ لَهُ سُنَّةً، وَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقَهُ، وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَحَّدَ لَهُ حُدُودًا، فَإِنْ جَاوَزَهَا أَوْ عَدَلَ عَمَّا سُنَّ لَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَخَالَفَ الْأَمْرَ، وَارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَقَعَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ جَائِرًا ظَالِمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يَسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]
[ص:190] فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّبِيُّ لَمَّا قَالَ مَا قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ شِبْهَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَسَأَلَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي لَهُ السُّؤَالُ عَنْهُ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّمْلَةِ الَّتِي عَضَّتْهُ، فَأَحْرَقَ قَرْيَتَهَا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ: إِنَّكَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ جَنَتْ عَلَيْكَ نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنْهَا، فَكَيْفَ تَعْتَرِضُ عَلَى مَلِكٍ
(1) - صحيح البخاري (4/ 130) (3319) وصحيح مسلم (4/ 1759) 149 - (2241)
(2) -صحيح مسلم (4/ 1759) 148 - (2241)