عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟» ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ، فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . [1]
شرح المفردات:
(إِنِّي مَجْهُود) أَي: أَصَابَنِي الْجَهْد, وَهُوَ الْمَشَقَّة وَالْحَاجَة وَسُوء الْعَيْش وَالْجُوع.
(رَحْلِهِ) أي: منزله، ورحل الإنسان هو منزله من حجر أو مدر أو شعر أو وبر. [2]
شرح الحديث:
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ) . أَيْ فَقِيرٌ أَصَابَهُ الْجُهْدُ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالْحَاجَةُ أَوِ الْجُوعُ فَأَرْسَلَ)، أَيِ: النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) ، أَيْ: مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي) ، أَيْ: مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ (إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ) . أَيْ وَهَكَذَا حَتَّى أَرْسَلَهُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ (وَقُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ) ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ خَيْبَرَ وَغَيْرَهَا، وَيَحْصُلَ الْغَنَائِمَ وَالْأَمْوَالَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يُضِيفُهُ") ؟ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، فَمَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ("يَرْحَمْهُ اللَّهُ"فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ) ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ، زَوْجُ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ. (فَقَالَ: أَنَا) ، أَيْ: أُضِيفُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْطَلَقْ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ) ، أَيْ: مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ)؟ أَيْ مِنَ الطَّعَامِ (قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ أَيْ: إِلَّا قُوتَ الصِّغَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَجُوعُونَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِجَاعَةُ الصِّبْيَانِ وَإِضَاعَتُهُمْ وَإِطْعَامُ الضِّيفَانِ وَإِطَاعَتُهُمْ. (قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ) ، أَيْ: سَكِّنِيهِمْ مِنْ عَلَّلَهُ بِشَيْءٍ أَيْ أَلْهَاهُ (وَنَوِّمِيهِمْ) ، أَيْ رَقِّدِيهِمْ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُمْ إِنْ يَرَوْا أَكْلَ الضَّيْفِ فَيَشْتَهُوا كَمَا هُوَ
(1) - صحيح مسلم (3/ 1624) 172 - (2054) [ش (إني مجهود) أي أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع]
(2) - شرح النووي على مسلم (14/ 11)