عَادَةُ الْأَوْلَادِ (فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَرِيهِ) ، أَيْ: فَأَحْضِرِيهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَجُوزًا، وَالْقَضِيَّةُ قَبْلَ الْحِجَابِ، وَأَظْهِرِيهِ (أَنَّا) ، أَيْ: جَمِيعَنَا (نَأْكُلُ) ، أَيْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ، فَإِنَّ الضَّيْفَ إِذَا رَأَى أَنَّ أَحَدًا امْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ رُبَّمَا تَشَوَّشَ خَاطِرُهُ (فَإِذَا أَهْوَى) ، أَيْ: قَصَدَ الضَّيْفُ وَمَدَّ (بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي إِلَى السِّرَاجِ كَيْ تُصْلِحِيهِ) ، أَيْ: لِإِصْلَاحِهِ فَكَيْ تَعْلِيلِيَّةٌ (فَأَطْفِئِيهِ) ، أَيْ لِيَقَعَ الظَّلَامُ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى امْتِنَاعِنَا مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ (فَفَعَلَتْ، فَقَعَدُوا) ، أَيْ ثَلَاثَتِهِمْ (وَأَكَلَ الضَّيْفُ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ) ، أَيْ جَائِعَيْنِ (فَلَمَّا أَصْبَحَ) ، أَيِ: الضَّيْفُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ هَاهُنَا تَامَّةٌ وَقَوْلُهُ (غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) : جَوَابُ لَمَّا وَضَمَّنَ فِيهِ مَعْنًى. الْإِقْبَالِ أَيْ: لَمَّا دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَادِيًا اهـ. وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَالْمَعْنَى ذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْغَدْوَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) ، أَيْ: بِنُورِ الْكَشْفِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ ("لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ) : وَالْمَعْنَى رَضِيَ ("مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ") . أَيْ أَبِي طَلْحَةَ وَامْرَأَتِهِ."
(وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلَهُ) بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ مِثْلَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ (وَلَمْ يُسَمِّ أَبَا طَلْحَةَ) أَيْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَفِي آخِرِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ، أَيْ: أَضْيَافَهُمْ أَوْ غَيْرَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: عَلَى حُظُوظِهَا وَلَوْ كَانَ، أَيْ: وَقَعَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ أَيْ حَاجَةٌ وَمَجَاعَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَلَوْ بِمَعْنَى الْفَرْضِ أَيْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَفْرُوضَةً خَصَاصَتُهُمْ." [1] "
من فوائد الحديث:
1 -في هَذَا الْحَدِيث بيان مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَهْل بَيْته مِن الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَالصَّبْر عَلَى الْجُوع وَضِيق حَال الدُّنْيَا.
2 -وأَنَّهُ يَنْبَغِي لِكَبِيرِ الْقَوْم أَنْ يَبْدَأ فِي مُوَاسَاة الضَّيْف وَمَنْ يَطْرُقهُمْ بِنَفْسِهِ فَيُوَاسِيه مِنْ مَاله أَوَّلًا بِمَا يَتَيَسَّر إِنْ أَمْكَنَهُ, ثُمَّ يَطْلُب لَهُ عَلَى سَبِيل التَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى مِنْ أَصْحَابه.
3 -وَمِنْهَا الْمُوَاسَاة فِي حَال الشَّدَائِد.
4 -وَمِنْهَا فَضِيلَة إِكْرَام الضَّيْف وَإِيثَاره.
5 -وَمِنْهَا مَنْقَبَة لِهَذَا الْأَنْصَارِيّ وَامْرَأَته رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا.
6 -وَمِنْهَا الِاحْتِيَال فِي إِكْرَام الضَّيْف إِذَا كَانَ يَمْتَنِع مِنْهُ رِفْقًا بِأَهْلِ الْمَنْزِل لِقَوْلِهِ: أَطْفِئِي السِّرَاج, وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُل, فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى قِلَّة الطَّعَام, وَأَنَّهُمَا لَا يَأْكُلَانِ مَعَهُ لَامْتَنَعَ مِن الْأَكْل.
7 -قول الأنصاري لامرأته: فعلليهم بشيء محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضرهم فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجبًا ويجب تقديمه على الضيافة.
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 4029)