فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 451

دَلَالَةُ الْعَدَاوَةِ فِي الْأُخْرَى. قَالَ شَارِحٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَضَاءَهُمَا حَقٌّ، لِكَوْنِهِمَا مُجْتَهِدَيْنِ، وَمُسْتَنَدُ قَضَائِهِمَا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ هِيَ الْقَرِينَةُ لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي قَضَى بِهَا سُلَيْمَانُ أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ كَانَتْ فِي شَرْعِهِمْ بِمَثَابَةِ الْبَيِّنَةِ يَعْنِي: وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَاتَ الْيَدِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى لِشَبَهٍ رَآهُ فِيهِمَا، لِكَوْنِهِ كَانَ فِي يَدِهَا، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ فَتَوَصُّلَ بِطَرِيقٍ مِنَ الْحِيلَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ بَاطِنِ الْقَضِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اخْتِبَارَ شَفَقَتِهِمَا لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْأَمْرُ لَا الْقَطْعَ حَقِيقَةً، فَلَمَّا تَمَيَّزَ حَكَمَ لِلصُّغْرَى بِإِقْرَارِ الْكُبْرَى، لَا بِمُجَرَّدِ الشَّفَقَةِ قُلْتُ: الْإِقْرَارُ لَا دَلَالَةَ لِلْعِبَارَةِ عَلَيْهِ، وَلَا طَرِيقَ لِلْإِشَارَةِ إِلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمِثْلُهُ مَا يَفْعَلُهُ الْحُكَمَاءُ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى حَقِيقَةِ الصَّوَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ حَقَّقَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيُّ هَذَا الْمَبْحَثَ فِي كِتَابِ"الْفَرَاسَةِ فِي السِّيَاسَةِ".

قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَقَضَ سُلَيْمَانُ حُكْمَ أَبِيهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَكُنْ جَزَمَ بِالْحُكْمِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَتْوَى مِنْ دَاوُدَ لَا حُكْمًا. وَثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ فَسْخُ الْحُكْمِ إِذَا رَفَعَهُ الْخَصْمُ إِلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ. قُلْتُ: وَفِي كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَالْوَجْهُ أَنَّ الْقَرِينَةَ الْأَقْوَى كَانَتْ عِنْدَهَا بِاْلِاعْتِبَارِ هُوَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ صَحَّ إِقْرَارُ الْكُبْرَى بِأَنَّهُ لِلصُّغْرَى، فَلَا إِشْكَالَ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْحُكْمِ مُعْتَبَرٌ فِي شَرْعِنَا أَيْضًا، كَمَا إِذَا اعْتَرَفَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [1]

من فوائد الحديث:

1 -قال ابن الجوزي: إنما حكما بالاجتهاد إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه، وفي الحديث دليل على اجتهاد الأنبياء، وأنهم قد يخطئون في اجتهادهم، ولكنهم لا يقرهم الله على الخطأ، بل ينزل الوحي ببيانه كما في هذه القضية حيث قال عز وجل: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) والمراد بالخطأ مخالفة الواقع ونفس الأمر، لا مخالفة الدليل والبينة الظاهرة، إذ لو كان الخطأ الاجتهادي هو مخالفة الظاهر لما كان صاحبه معذورًا ومأجورًا، كما يدل عليه ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» [2] . فإنّ من خالف الدليل الظاهر، وحكم بخلاف البينة الثابتة أثم ولا شك، وقد حكم داود وسليمان بحكمين متناقضين، فلا بد أن يكون أحدهما خطأ وهو حكم داود عليه السلام، والثاني صواب، وهو حكم سليمان عليه السلام كما قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ..

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3655)

(2) - المنتقى لابن الجارود (ص: 249) (996) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت