2 -مشروعية استعمال الحيل في الأحكام، فإن سليمان فعل ذلك، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما تحيلًا على إظهار الحق، ولم يعزم على ذلك في الباطن وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل على مقصوده، وظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى أنها الأم الحقيقية، ويحتمل أن تكون الكبرى اعترفت بالحق لمّا رأت الجد ودلالة القرائن على كذبها، فحكم عليها سليمان بإقرارها، والإِقرار سيّد الأدلة.
3 -فضل سليمان عليه السلام في العلم والفقه ومعرفة الأحكام الذي اقتضى ثناء الله عليه بقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) .
4 -أن سليمان هو ابن داود عليهما السلام لقوله - صلى الله عليه وسلم:"فخرجتا على سليمان ابن داود"وهو مطابق للآية الكريمة التي ترجم لها البخاري حيث قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ) الآية. [1]
5 -من المقرر في الشريعة أن القاضي إذا اجتهد وأخطأ فله أجر وإن اجتهد وأصاب فله أجران كما صحَّ عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [2] . والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يحكمون فيما يعرض عليهم من قضايا باجتهادهم في إنزال الحكم على الواقعة بحسب البينات والقرآن، ففي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» [3] . فالحاكم بعلم مثاب أصاب أو أخطأ، إذا اجتهد ما استطاع.
(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 203)
(2) - صحيح البخاري (9/ 108) (7352) وصحيح مسلم (3/ 1342) 15 - (1716)
[ش (إذا حكم الحاكم فاجتهد) قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته وإن أخطأ فله أجر اجتهاده وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو إثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك (فاجتهد) بذل جهده لتعرف الحق. (أصاب) وافق واقع الأمر في حكم الله عز وجل]
(3) - صحيح البخاري (9/ 69) (7168) وصحيح مسلم (3/ 1337) 4 - (1713)
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، فَيَحْكُمُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْيَمِينِ مَعَ إِمْكَانِ خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا نَحْوَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» ) إِلَى قَوْلِهِ:"وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَأَطْلَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ، فَحَكَمَ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ، أَوْ يَمِينٍ، وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالْاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَهُمْ مِنْ عَدَمِ الْإِطْلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ، لِيَكُونَ لِلْأُمَّةِ أُسْوَةٌ بِهِ فِي ذَلِكَ وَتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ."
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لَا يُقِرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِ ; لِأَنَّ مُرَادَهُمْ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ؟ وَأَمَّا الَّذِي فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي شَيْءٍ ; لِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْيَمِينِ، فَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ الْبَاطِنَ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْحَاكِمُ، فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يُحِلَّ حَرَامًا، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدُ زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ كَذِبَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَمَنْ قَضَيْتُ إِلَخْ يَعْنِي إِنْ قَضَيْتُ لَهُ بِظَاهِرٍ يُخَالِفُ الْبَاطِنَ فَهُوَ حَرَامٌ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مَا قَضَيْتُ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا يَئُولُ بِهِ إِلَى قِطْعَةٍ مِنَ النَّارِ، فَوَضَعَ الْمُسَبَّبَ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ مَوْضِعَ السَّبَبِ، وَهُوَ مَا حَكَمَ بِهِ لَهُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2441)