(وَإِمَّا أُدْرَةٌ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ، قال ابن الأثير الأدرة بالضم نفخة في الخصية يقال رجل آدر بين الأدر بفتح الهمزة والدال.
(فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَاءَ عُرْيَانًا.
(عَدَا بِثَوْبِهِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَضَى مُسْرِعًا.
(ثَوْبِيَ حَجَرُ، ثَوْبِيَ حَجَرُ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ مِنْ ثَوْبِي أَيْ أَعْطِنِي ثَوْبِي، أَوْ رُدَّ ثَوْبِي، وَحَجَرُ بِالضَّمِّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ.
(وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ) فَرَأَوْهُ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ خَلْقً، فَبَرَّأَهُ مِمَّا قَالُوا. [1]
شرح الحديث:
قَالَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَ مُوسَى فِي خَلْوَةٍ وَخَرَجَ مِن الْمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ثَوْبَهُ تَبِعَ الْحَجَرَ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا يُصَادِف أَحَدًا وَهُوَ عُرْيَانُ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ فَاجْتَازَ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ جَوَانِبَ الْأَنْهَارِ وَإِنْ خَلَتْ غَالِبًا لَا يُؤْمَنُ وُجُودُ قَوْمٍ قَرِيبًا مِنْهَ، فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أُحُدٌ لِأَجْلِ خَلَاءِ الْمَكَانِ، فَاتَّفَقَ رُؤْيَةُ مَنْ رَآهُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ يَتْبَعُ الْحَجَرَ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ فِيهِ مَا قَالَ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ [2] .
وقال القاري:"" «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا» "): بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَبِتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ فَعِيلٌ أَيْ مُسْتَحْيِيًا (سَتِيرًا) ، بِفَتْحِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ. قَالَ شَارِحٌ أَيْ: مَسْتُورًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُبَالَغَةُ سَاتِرٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي نُسْخَةِ مَنْ كَسَرَ السِّينَ وَالْفَوْقِيَّةَ الْمُشَدَّدَةَ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ قَوْلَهُ:"لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ": صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ هُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ كَثِيرَ التَّسَتُّرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِ (اسْتِحْيَاءً) ، أَيْ مِنَ النَّاسِ (فَآذَاهُ، مَنْ آذَاهُ) : بِالْمَدِّ فِيهِمَا أَيْ: مَنْ أَرَادَ إِيذَاءَهُ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا) : جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى مَنْ كَمَا أَفْرَدَ أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى لَفْظِهِ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ فِي التَّنْزِيلِ أَيْ فَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْذِينَ: (مَا تَسَتَّرَ) أَيْ: مُوسَى (هَذَا التَّسَتُّرَ) أَيْ: الْبَلِيغَ (إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ أَوْ أُدْرَةٌ) ، بِضَمِّ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ نَفْخَةٌ بِالْخُصْيَةِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يُنَزِّهَهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، وَيُثْبِتَ لَهُ الْحَيَاءَ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69] ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّ اللَّهَ هُوَ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْوَاوِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:"
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 436) ومنار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 315)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 438)