(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ") : الطَّوَافُ هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَالْمَعْنَى وَاللَّهِ لِأَدُورَنَّ (اللَّيْلَةَ) أَيْ: الْآتِيَةَ (عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِائَةِ امْرَأَةٍ) : قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِيهِ رِوَايَاتٌ سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وَتِسْعُونَ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَمِائَةٌ، وَالْجَمْعُ أَنَّ السِتِّينَ كُنَّ حَرَائِرَ، وَمَا زَادَ كُنَّ سَرَائِرَ، وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا السَبْعُونَ، فَلِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا التِسْعُونَ وَالْمِائَةَ وَفَوْقَ التِسْعِينَ فَمَنْ قَالَ: تِسْعُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ: مِائَةً أَتَى بِالْجَبْرِ (كُلُّهُنَّ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ (تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : وَهَذِهِ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ. (فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ) أَيْ: الْمُوَكَّلُ عَلَى يَمِينِهِ، أَوْ جِبْرِيلُ، أَوْ غَيْرُهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ إِبْهَامُهُ أَوْ إِلْهَامُهُ (قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ) أَيْ: اكْتِفَاءً بِمَا فِي الْجِنَانِ عَنِ الْبَيَانِ بِاللِّسَانِ (وَنَسِيَ) كَعَلِمَ، وَرُوِيَ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، وَهُوَ أَحْسَنُ أَيْ: حَصَلَ لَهُ النِّسْيَانُ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَكْمَلُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْجَمْعِ وَأَصْحَابِ الْعِرْفَانِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَنَسِيَ، (فَطَافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمَلْ مِنْهُنَّ) أَيْ: لَمْ تَحْبَلْ (إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) ، أَيْ بِنِصْفِهِ، أَوْ بَعْضِهِ حَيْثُ عَدَلَ عَنْ شَتَّى الصَّوَابِ وَصَوْبِ الْكَمَالِ، (وَاَيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَيْمُ لَفْظًا وَمَعْنَى، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: هُنَا الْأَصْلُ. فِي"أَيْمُ"اللَّهِ أَيْمُنُ اللَّهِ حُذِفَ مِنْهُ النُّونُ، وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ، وَأَلِفُهُ أَلْفُ وَصْلٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وَلَمْ تَجِئْ فِي الْأَسْمَاءِ أَلِفُ الْوَصْلِ مَفْتُوحَةً غَيْرُهَا، وَتَقْدِيرُهُ أَيْمُنُ اللَّهِ قَسَمِي، وَإِذَا حُذِفَ عَنْهُ النُّونُ قِيلَ: أَيْمُ اللَّهِ وَإِيمُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا (لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا) أَيْ: لَوُجِدُوا وَوُلِدُوا وَكَبِرُوا وَقَاتَلُوا الْكُفَّارَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: طَرِيقِ رِضَاهُ (فُرْسَانًا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ جَاهَدُوا (أَجْمَعُونَ) : تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ أَجْمَعِينَ عَلَى الْحَالِ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَدُّ بِهَا أَجْمَعُونَ بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عَقِيبَ قَوْلِهِ إِنِّي أَعْمَلُ كَذَا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا وَتَسْهِيلًا لِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى؟ {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24] . [1] "
من فوائد الحديث:
1 -فَضْل فِعْل الْخَيْر وَتَعَاطِي أَسْبَابه, وَأَنْ كَثِيرًا مِن الْمُبَاح وَالْمَلَاذّ يَصِير مُسْتَحَبًّا بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْد.
2 -وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب الِاسْتِثْنَاء لِمَنْ قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا, وَأَنَّ إِتْبَاع الْمَشِيئَة الْيَمِين (أن يقول بعد الحلف: إن شاء الله) يَرْفَع حُكْمهَا, وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بِشَرْطِ الِاتِّصَال.
3 -وَفِيهِ مَا خَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاء مِن الْقُوَّة عَلَى الْجِمَاع الدَّالّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة الْبِنْيَة وَقُوَّة الْفُحُولِيَّة وَكَمَال الرُّجُولِيَّة مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِن الِاشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ وَالْعُلُوم. وَقَدْ وَقَعَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ذَلِكَ أَبْلَغ
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3655)