وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ. قَالَ: وَفِي فَاءِ التَّعْقِيبِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ هُنَالِكَ.
(فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ!) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُتَمِّمَةً وَمُقَدِّمَةً، لَكِنَّ الثَّانِي أَظْهَرُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ الْمُسْتَطَابَ بَعْدَ سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] وَالْمَعْنَى: يَا آدَمُ. (اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، أَوِ الْمُوَكَّلِينَ عَلَى الْحَسَنَاتِ مِنْ أَرْبَابِ الْيَمِينِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيَانًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ إِلَى الْحَالِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْبَدَلِ، يَعْنِي: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أُولَئِكَ مُشِيرًا بِهِ إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ (جُلُوسٍ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ مَلَأٍ، أَيْ: جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ (فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا وَفَّقَهُ تَعَالَى لِقِيَامِ الشُّكْرِ عَلَى نِعَمِهِ السَّابِغَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى قُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْخَلْقِ حَتَّى يَفُوزَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ بَعْدَ تَعْظِيمِ الْحَقِّ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ السَّلَامِ بِالذِّكْرِ، فَإِنَّهُ فَتْحُ بَابِ الْمَوَدَّاتِ، وَتَأْلِيفُ قُلُوبِ الْإِخْوَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ. (فَقَالَ) أَيْ: فَذَهَبَ آدَمُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَحْذُوفَةٌ لِلْعِلْمِ بِهَا (فَقَالُوا: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ) ، أَيْ: إِلَى مَكَانِ كَلَّمَهُ رَبُّهُ فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ وَتَيَمُّنًا بِمَقَامِهِ، وَلِمَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَرْجِعَ الْمَأْمُورُ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ الْآمِرُ وَيَنْتَظِرَ بَيَانَ حِكْمَةِ الْآمِرِ (فَقَالَ) : أَيِ: الرَّبُّ سُبْحَانَهُ (هَذِهِ) أَيِ: الْكَلِمَاتُ الْمَذْكُورَةُ (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ أَيْ ذُرِّيَّتِكَ (بَيْنَهُمْ) ، أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِمْ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ وَمِنَّةٌ جَسِيمَةٌ (فَقَالَ لَهُ اللَّهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ وَالضَّمِيرٌ لِلَّهِ، وَحَقِيقَةُ مَعْنَاهُ يَعْجِزُ عَنْهُ مَا سِوَاهُ، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ مِنْ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَإِثْبَاتِ التَّنْزِيهِ مَعَ التَّفْوِيضِ أَسْلَمُ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ بَعْضِ أَهْلِ الْخَلَفِ مَعَ خُلْفٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ دَعْوَاهُمْ أَنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ أَعْلَمُ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ تَجَلِّيَاتٍ صُورِيَّةً مَعَ تَنَزُّهِ ذَاتِهِ عَنْ أُمُورٍ عَارِضِيَّةٍ، فَيَزُولُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّفَاتِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ، وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَدَيْنِ صِفَتَيِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَأَنَّ الْجَمَالَ هُوَ الْيَمِينُ الْمُطْلَقُ، وَإِنْ كَانَ الْيَمِينُ فِي الْجَلَالِ أَيْضًا قَدْ تَحَقَّقَ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى لِآدَمَ: (اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا) ، أَيْ مِنَ الْيَدَيْنِ (شِئْتَ) أَيْ: أَرَدْتَ (فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ) : مِنْ كَلَامِ آدَمَ أَوْ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَوْلُهُ: (مُبَارَكَةٌ) ، صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (ثُمَّ بَسَطَهَا) ، أَيْ: فَتَحَ الرَّبُّ تَعَالَى يَمِينَهُ (فَإِذَا فِيهَا) أَيْ: مَوْجُودٌ (آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ) أَيْ: مِثَالُهُ وَأَمْثِلَةُ أَوْلَادِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَعْنِي رَأَى آدَمُ مِثَالَهُ وَمِثَالَ بَنِيهِ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ (فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَا هَؤُلَاءِ؟) ظَاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ قَبْلَ الْمِيثَاقِ (قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ) ، الظَّاهِرُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي الْيَمِينِ اخْتِصَاصُهُمْ