فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 451

قِيلَ: هُوَ مُكَمِّلٌ لِيَوْمِ إِسْلَامِهِ، وَمِنْ تَمَامِهِ، فَيَوْمُ إِسْلَامِهِ بِدَايَةُ سَعَادَتِهِ، وَيَوْمُ تَوْبَتِهِ كَمَالُهَا وَتَمَامُهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَفِي سُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ وَفَرَحِهِ بِهِ وَاسْتِنَارَةِ وَجْهِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ كَمَالِ الشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ وَالرَّأْفَةِ، حَتَّى لَعَلَّ فَرَحَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ كعب وَصَاحِبَيْهِ.

وَقَوْلُ كعب: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي» . دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ بِمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ.

وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:" «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» )، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ لَهُ مِنْهُ بَقِيَّةً، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ، فَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ:" «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» "، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا، بَلْ أَطْلَقَ، وَوَكَلَهُ إِلَى اجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ الْكِفَايَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ مَا نَقَصَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَنَذْرُهُ لَا يَكُونُ طَاعَةً، فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ وَحَاجَتِهِ، فَإِخْرَاجُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَفْضَلُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُهُ إِذَا نَذَرَهُ، هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلِهَذَا تُقَدَّمُ كِفَايَةُ الرَّجُلِ، وَكِفَايَةُ أَهْلِهِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ كَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَجِّ، أَوْ حَقًّا لِلْآدَمِيِّينَ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ، فَإِنَّا نَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَكُسْوَةٍ وَآلَةِ حِرْفَةٍ، أَوْ مَا يَتَّجِرُ بِهِ لِمُؤْنَتِهِ إِنْ فُقِدَتِ الْحِرْفَةُ، وَيَكُونُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فِيمَا بَقِيَ "

وَبَعْدُ: فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كعبا وأبا لبابة نَذَرَا نَذْرًا مُنَجَّزًا، وَإِنَّمَا قَالَا: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِنَا أَنْ نَنْخَلِعَ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النَّذْرِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِأَمْوَالِهِمَا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِمَا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ بَعْضَ الْمَالِ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إِلَى إِخْرَاجِهِ كُلِّهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ لسعد وَقَدِ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَأَذِنَ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ.

وَمِنْهَا: عِظَمُ مِقْدَارِ الصِّدْقِ، وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمَا بِهِ، فَمَا أَنْجَى اللَّهُ مَنْ أَنْجَاهُ إِلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا أَهْلَكَ مَنْ أَهْلَكَهُ إِلَّا بِالْكَذِبِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، فَقَالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] [التَّوْبَةِ: 119] .

وَقَدْ قَسَّمَ سُبْحَانَهُ الْخَلْقَ إِلَى قِسْمَيْنِ: سُعَدَاءَ، وَأَشْقِيَاءَ، فَجَعَلَ السُّعَدَاءَ هُمْ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالْأَشْقِيَاءَ هُمْ أَهْلَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ. فَالسَّعَادَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الصِّدْقِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالشَّقَاوَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ.

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا صِدْقُهُمْ؛ وَجَعَلَ عَلَمَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ هُوَ الْكَذِبَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَجَمِيعُ مَا نَعَاهُ عَلَيْهِمْ أَصْلُهُ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَالصِّدْقُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت