فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 451

معنى الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل نجران كتابًا قال فيه:"من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أمّا بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام"فقدم إليه وفد من أشرافهم منهم"العاقب"أميرهم و"السيد"مستشارهم فسألهم وسألوه عن عيسى، فأنزل الله تعالى في ذلك صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآيات لمناقشتهم، وأقام عليهم الحجة والدليل القاطع على أن عيسى ليس إلهًا ولا ابنًا لله تعالى كما يزعمون، ولكنه عبد الله ورسوله (1) ، فلما أصرّوا على عقيدتهم أمره الله تعالى بمباهلتهم، ومعنى"المباهلة"أن يجتمع الطرفان رجالًا ونساءً وأطفالًا ويبتهلا إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، ولذلك عبّر عنها في الحديث بالملاعنة حيث قال"يريدان أن يلاعناه"أي يلاعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - حين طلب منهم ذلك، فقال أحدهما لصاحبه وهو العاقب: لا تفعل، والله لقد علمتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، وما لاعن قوم نبيًا قط فيبقى كبيرهم أو ينبت صغيرهم،"لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا"أي نهلك نحن وأبناؤنا و"قالا: إنا نعطيك ما سألتنا"أي نعطيك ما تطلبه منا"وابعث معنا رجلًا أمينًا"قال ابن كثير (1) : فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين"فاستشرف له أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أي فتطلع لهذا المنصب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا رغبة في الإمارة، ولكن حرصًا على هذه الصفة الكريمة صفة الأمانة"فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة"فوصفه بهذه الصفة الكريمة. [1] "

الدروس والعبر:

دل هذا الحديث على ما يأتي:

أولًا: عزم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتصميمه على مباهلة وفد نجران تنفيذًا لأمر الله تعالى في قوله عز وجل (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) ، أما نصارى نجران فإنهم أحجموا وَوَجَمُوا عن المباهلة خشية أن يصابوْا بسوء، قال الإمام محمد عبده: وهذا الطلب -أي طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - المباهلة- يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول، كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب على امترائهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ولا يقين.

(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 383)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت