فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 451

سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29]

إِن مُحمدًا - صلى الله عليه وسلم - رَسُولُ اللهِ حَقًّا وَصِدْقًا، بِلاَ شَكٍّ وَلاَ رَيبٍ، وَإِنَّ أصْحَابَهُ يَتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ الجَمِيلةِ الحَسَنةِ، فَهُمْ أشِدَّاءٌ غِلاَظُ القُلُوبِ عَلَى الكُفارِ، وَهُمْ رُحَماءُ مُتَوَادُّونَ فيما بَيْنَهم يَرَاهُم النَّاظِرُ إليهِمْ دَائِبينَ عَلَى أدَاءِ الصَّلاةِ، مُخْلِصِينَ فيها للهِ، مُحْتَسِبينَ أجْرَهَا عِنْدَ اللهِ، يَبْتَغُونَ بِصَلاتِهِمْ رِضَا اللهِ وَرِضْوَانَهُ، تَتْرُكُ نُفُوسُهُمُ المُطْمَئِنَّةُ أَثَرًا عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَهِي هَادِئَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ مَسْتَبْشِرَةٌ، وَهَذِهِ هِيَ صِفَاتُ المُؤمِنينَ المُخْلِصِينَ في التورَاةِ. وَجَاءَ وَصْفُهُمْ في الإِنجيلِ أَنَّ أتْبَاعَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَليلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ مُحَمَّدٍ سَيَكُونُونَ قَلِيلينَ ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلظُونَ كَزَرْعٍ أخْرَجَ فُروعَهُ (شَطْأهُ) التي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ عَلَى جَوَانِبِهِ، فَيَقْوى وَيَتَحَوَّلُ من الدِّقَّةِ إِلى الغِلْظَةِ، وَيَسْتَقيمُ عَلَى أصُولِهِ فَيُعْجَبُ بِهِ الزَّراعِ لِخِصْبِهِ، وَقُوَّتِهِ، وَحُسْنِ مَظْهَرِهِ، وَقَدْ نَمَّاهُمُ اللهُ وأكْثَرَ عَدَدَهُم لِيَغِيظَ بهم الكُفَّارَ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، العَامِلِينَ للصَّالِحَاتِ، بأن يَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهمْ، وَأنْ يُجْزِلَ لَهُمُ الأجْرَ والعَطَاءَ، وبِأنْ يُدْخِلَهُمْ جَنَّاتِهِ، وَاللهُ لاَ يُخْلِفَ وَعْدَهُ أبَدًا [1] .

إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع. صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة، حالاتها الظاهرة والمضمرة. فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم: «تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا» .. ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا» .. ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» .. «ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ» .. وهذه صفتهم فيها .. ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل .. «كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ» «فَآزَرَهُ» .. «فَاسْتَغْلَظَ» «فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ» . «يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ» ..: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» ..

وتبدأ الآية بإثبات صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - صفته التي أنكرها سهيل بن عمرو ومن وراءه من المشركين: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» .. ثم ترتسم تلك الصورة الوضيئة بذلك الأسلوب البديع. والمؤمنون لهم حالات شتى. ولكن اللقطات تتناول الحالات الثابتة في حياتهم، ونقط الارتكاز الأصيلة في هذه الحياة. وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة .. وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات، وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها. التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة. إرادة التكريم واضحة، وهو يسجل لهم في اللقطة الأولى أنهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» .. أشداء

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4491، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت