فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 451

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب هذا الزرع النامي القوي المخصب البهيج .. وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس. فهو وقع الغيظ والكمد: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ» .. وتعمد إغاظة الكفار يوحي بأن هذه الزرعة هي زرعة الله. أو زرعة رسوله، وأنهم ستار للقدرة وأداة لإغاظة أعداء الله! وهذا المثل كذلك ليس مستحدثا، فهو ثابت في صفحة القدر. ومن ثم ورد ذكره قبل أن يجيء محمد ومن معه إلى هذه الأرض. ثابت في الإنجيل في بشارته بمحمد ومن معه حين يجيئون.

وهكذا يثبت الله في كتابه الخالد صفة هذه الجماعة المختارة .. صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. فتثبت في صلب الوجود كله، وتتجاوب بها أرجاؤه، وهو يتسمع إليها من بارئ الوجود. وتبقى نموذجا للأجيال، تحاول أن تحققها، لتحقق معنى الإيمان في أعلى الدرجات.

وفوق هذا التكريم كله، وعد الله بالمغفرة والأجر العظيم: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» .. وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة بعد ما تقدم من صفتهم، التي تجعلهم أول الداخلين في هذه الصيغة العامة. مغفرة وأجر عظيم .. وذلك التكريم وحده حسبهم. وذلك الرضى وحده أجر عظيم. ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود، والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ.

ومرة أخرى أحاول من وراء أربعة عشر قرنا أن أستشرف وجوه هؤلاء الرجال السعداء وقلوبهم. وهم يتلقون هذا الفيض الإلهي من الرضى والتكريم والوعد العظيم. وهم يرون أنفسهم هكذا في اعتبار الله، وفي ميزان الله، وفي كتاب الله. وأنظر إليهم وهم عائدون من الحديبية، وقد نزلت هذه السورة، وقد قرئت عليهم. وهم يعيشون فيها بأرواحهم وقلوبهم ومشاعرهم وسماتهم. وينظر بعضهم في وجوه بعض فيرى أثر النعمة التي يحسها هو في كيانه.

وأحاول أن أعيش معهم لحظات في هذا المهرجان العلوي الذي عاشوا فيه .. ولكن أنى لبشر لم يحضر هذا المهرجان أن يتذوقه. إلا من بعيد؟! اللهم إلا من يكرمه الله إكرامهم: فيقرب له البعيد؟! فاللهم إنك تعلم أنني أتطلع لهذا الزاد الفريد!!! [1] .

جيل قرآني فريد:

هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان. وأن يقفوا أمامها طويلًا. ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها

لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلًا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلًا مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى .. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ. ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4166)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت