فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 451

ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه الله عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر، قالوا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - إذن لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم. «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ» لكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون .. وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة وبعض جوانب حكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل .. [1]

وفيه أهمية الثبات عند الشدائد

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]

يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَيَأمُرُهُمْ بِذِكِرِ اللهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، لِتَقْوَى قُلُوبُهُمْ، وَتَثْبُتَ نُفُوسُهُمْ، وَهَذَانِ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ الفَوْزِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أَسْبَابِ الفَوْزِ بِالفَلاَحِ وَبِرِضْوَانِ اللهِ فِي الآخِرَةِ. [2]

فالثبات للعدو، والتصميم على لقائه في عزم وإصرار، دون أن يقع في النفس أي هاجس يهجس بها للفرار، أو التراجع، أو أخذ الجانب اللين من مواقف القتال- هو السلاح العامل بمالا تعمله كثيرة العدد والعدد، لكسب المعركة، وتحقيق النصر ..

ولن يكون ذلك الموقف متاحا للإنسان وهو يواجه وجوه الموت، إلا إذا شد عزمه بالإيمان بالله، وملأ قلبه يقينا بالجزاء الذي أعده الله له، ومن هنا كان ذكر الله، والإكثار من ذكره في هذا الموطن، هو الزاد الذي يتزود به المجاهد، للصبر على الشدائد، والثبات في وجه الموت الذي يراه رأى العين، فيما يقع بين يديه من جئت وأشلاء ..

فذكر الله سبحانه وتعالى، في هذا الموطن الذي تصرخ فيه في كيان الإنسان دواعى الحرص على الحياة، وطلب السلامة، وحب البقاء- هو الذي يمسك الإنسان على البلاء، ويسوغ له طعم الموت، والاستشهاد في سبيل الله، ابتغاء الفوز برضاه، ولقائه- جل شأنه- على الوعد الذي وعد به المجاهدين في سبيله! ومن أجل هذا كان الفرسان والأبطال، يصحبون معهم من يؤثرون بالحب، من زوجات وخليلات، ليكون في صحبتهم لهم تذكير حى بالموقف الذي يجب أن يأخذوه في ميدان القتال، حتى يكونوا موضع إعجاب وتقدير، عند من يحبونهم ويفعلون الشيء الكثير الذي يرضيهم، وينزلهم من قلوبهم منزل الإعزاز والإكبار .. فإذا لم يكن في صحبة البطل زوجه أو خليلته، استحضر صورتها في خياله، وتمثل شخصها حاضرا معه، يشهد بلاءه واستبساله .. يقول عنترة لمحبوبته .. عبلة:

ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبات الأدهم

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1253)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1206، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت