أهله، إلى إقبال القريب والبعيد عليه، وتوددهم له- إنما كان هبة من هبات الله له، ورحمة من رحماته، على هذا العبد الذي ابتلى هذا الابتلاء العظيم، فصبر راضيا بأمر الله سبحانه وتعالى فيه .. والله سبحانه وتعالى يقول: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» (10: الزمر) .. وفى ذلك ذكرى وموعظة لأولى الألباب، الذين يأخذون العبر من الأحداث التي تمر بهم، أو بالناس من حولهم.
قوله تعالى: «وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب» .
الضغث: الخليط من كل شىء .. والمراد به هنا، مجموعة من العيدان الدقيقة، من حطب أو غيره .. والحنث: الذنب المؤثم، واليمين الغموس.
والآية معطوفة على قوله تعالى: «ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب» الذي هو اعتراض بين الآيتين اللتين يحملان خطابا من الله سبحانه وتعالى إلى «أيوب» .. فالأمر الموجه من الله سبحانه وتعالى إلى «أيوب» هو: «اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ...
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث» .. وقد جاء قوله تعالى: «ووهبنا له أهله ومثلهم معهم»
بين الأمرين- إشارة إلى أن هذه الأوامر ليست تكليفا، كما هو الشأن في الأمر، وإنما هى دعوة إلى تناول هذا العطاء الكريم من رب كريم، إلى عبده الصابر الشكور .. فهذان الأمران، يحملان هبات من عند الله، كما يحمل الخبر في قوله تعالى: «ووهبنا له أهله ومثلهم معهم» ..
فإن قوله تعالى: «اركض برجلك» يحمل إليه الشفاء والعافية، وقوله تعالى: «وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث» يحمل إليه الوفاء بيمينه، ويدفع عنه الحرج .. إذ كان قد حلف وهو في حال مرضه أن يضرب امرأته، مائة سوط على أمر خرجت به عن رأيه .. وكان من لطف الله به وبامرأته، أن جعل تحلة يمينه بأن يضربها بعرجون يحمل مائة أو أكثر من الشماريخ!! [1]
وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة وهي تضرب مثلا للابتلاء والصبر. ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها. والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب - عليه السّلام - كان كما جاء في القرآن عبدا صالحا أوّابا وقد ابتلاه الله فصبر صبرا جميلا، ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعا ولكنه ظل على صلته بربه، وثقته به، ورضاه بما قسم له.
وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له - ومنهم زوجته - بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه. وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء. فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عددا عينه - قيل مائة.
وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان، ومداخله إلى نفوس خلصائه، ووقع هذا الإيذاء في نفسه: «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ» ..
(1) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1095)