قوله: رطبة، أي برطوبة الحياة يعني في الإِحسان إلى كلّ ما له حياة أجر، قيل: هذا في بني إسرائيل، أما في إلإِسلام فهو مخصص بما لم يؤمَر بقتله وإهلاكه كالكلب والخنزير، ورُدّ بأنه لا حاجة إليه فإن الأمر بالقتل لا يستلزم أن لا يكون في الإِحسان إليه أجرًا. [1]
وقد استدل بعض المالكية للقول بطهارة الكلب بإيراد المؤلف هذا الحديث في هذه الترجمة من كون الرجل سقى الكلب في خفّه، واستباح لبسه في الصلاة دون غسله إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأجيب باحتمال أن يكون صب في شيء فسقاه أو لم يلبسه، ولئن سلمنا سقيه فيه فلا يلزمنا لأنه وإن كان شرع غيرنا فهو منسوخ في شرعنا. [2]
وفي هذا الحديث الحثّ على الإحسان وأن الماء من أعظم القربات، وعن بعض الصالحين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء .. [3]
وفي الحديث جواز حفر الآبار في الصحراء لانتفاع عطشان وغيره بها.
فإن قلت: كيف ساغ مع مظنة الاستضرار بها بساقط بليل أو وقوع بهيمة أو نحوها فيها؟ أجيب: بأنه لما كانت المنفعة أكثر ومتحققة والاستضرار نادرًا ومظنونًا غلب الانتفاع وسقط الضمان فكانت جبارًا فلو تحققت المضرة لم يجز وضمن الحافر. [4]
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِحْسَانَ إلَى الْحَيَوَانِ الْمَمْلُوكِ أَوْلَى مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْإِحْسَانَ إلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ مُوجِبٌ لِلْأَجْرِ وَفَحْوَى الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ لِكَوْنِهِ مَحْبُوسًا عَنْ مَنَافِعِ نَفْسِهِ بِمَنَافِعِ مَالِكِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمُحْسِنَ إلَيْهِ أَوْلَى بِالْأَجْرِ مِنْ الْمُحْسِنِ إلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ فَلَا، فَأَوْلَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ إنْفَاقِ الْحَيَوَانِ الْمَمْلُوكِ حَدِيثُ الْهِرَّةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي دُخُولِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ النَّارِ لَيْسَ مُجَرَّدُ ذَلِكَ الْإِنْفَاقِ، بَلْ مَجْمُوعُ التَّرْكِ وَالْحَبْسِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي مِثْلِ الْهِرَّةِ، فَثُبُوتُهُ فِي مِثْلِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُمْلَكُ أَوْلَى لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ مَحْبُوسَةٌ مَشْغُولَةٌ بِمَصَالِحِ الْمَالِكِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ مَالِكَ الْبَهِيمَةِ إذَا تَمَرَّدَ عَنْ عَلَفِهَا أَوْ بَيْعِهَا أَوْ تَسْيِيبِهَا أُجْبِرَ كَمَا يُجْبَرُ مَالِكُ الْعَبْدِ بِجَامِعِ كَوْنِ كُلِّ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا ذَا كَبِدٍ رَطْبَةٍ، مَشْغُولًا بِمَصَالِحِ مَالِكِهِ مَحْبُوسًا عَنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ مَالِكَ الدَّابَّةِ يُؤْمَرُ بِأَحَدِ تِلْكَ الْأُمُورِ اسْتِصْلَاحًا لَا حَتْمًا، قَالُوا: إذْ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ وَلَا خُصُومَةٌ وَلَا يُنْصَبُ عَنْهَا فَهِيَ كَالشَّجَرَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا ذَاتُ رُوحٍ مُحْتَرَمٍ فَيَجِبُ حِفْظُهُ كَالْآدَمِيِّ، وَأَمَّا الشَّجَرُ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إصْلَاحِهِ إجْمَاعًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِذِي رُوحٍ فَافْتَرَقَا، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ
(1) - موطأ محمد بشرح اللكنوي (3/ 240)
(2) - شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (1/ 256)
(3) - شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (4/ 202)
(4) - شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (4/ 269)