19.ومن الفوائد أهمية تقديم المال والدعم للدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى-: وأن الإنسان إذا قدم المال والنفس للدعوة إلى الله، فإن ذلك مما يرفع قدره ومنزلته، ويستوجب صيانة حرمته، والكف عن إيذائه؛ لأن التقديم في سبيل الدعوة عبادة عظيمة ومنفعته نفعه متعديه للآخرين، من نشر العلم وإيصال والهداية إلى الآخرين، والتسبب في إنقاذ ناس من النار ولذلك الصديق من أسباب علو منزلته قال: وواساني بنفسه وماله فتصديق أبو بكر للداعية الأول، النبي - صلى الله عليه وسلم - مواساة بالنفس، فقد عرض نفسه للخطر في عدد من المواضع من أجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وواساه كذلك بماله، فتقديم الجهد، وتقديم التضحية لا شك أن لها فضل عظيم؛ لأن الدعوة مجال لهداية للناس ونشر النور إلى الآخرين.
20.إن الإنسان كلما كانت سابقته أقدم في الدعوة وتقديمه أكثر من غيره كلما كان أفضل: ولذلك الله - عز وجل- قال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .
فالذي أنفق في وقت غربة الدين، وفي وقت ضعف المسلمين في المرحلة المكية، وفي زمن الاضطهاد وفي وقت الحاجة الماسة؛ لا شك أن بذله أكثر أجرًا من غيره ممن بذل في وقت الرخاء والسعة.، ولذلك فإن المبادرة لتقديم والعطاء والبذل في الدعوة وفي سبيل الله يكون أجره أكبر وأعظم ممن تأخر ولم يسارع؛ مع أن لكلهم أجر، وكلًا وعد الله الحسنى.
قصة أخرى تشابه قصة العمرين مع التعليق عليها:
عَنْ رَبِيعَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لِي: يَا رَبِيعَةُ، أَلاَ تَزَوَّجُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ، مَا عِنْدِي مَا يُقِيمُ الْمَرْأَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْكَ شَيْءٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي فَخَدَمْتُهُ مَا خَدَمْتُهُ ثُمَّ قَالَ لِي الثَّانِيَةَ: يَا رَبِيعَةُ، أَلاَ تَزَوَّجُ؟ فَقُلْتُ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ، مَا عِنْدِي مَا يُقِيمُ الْمَرْأَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَشْغَلَنِي عَنْكَ شَيْءٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا يُصْلِحُنِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَعْلَمُ مِنِّي، وَاللَّهِ لَئِنْ قَالَ: تَزَوَّجْ لأَقُولَنَّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ، أَلاَ تَزَوَّجُ؟ فَقُلْتُ: بَلَى مُرْنِي بِمَا شِئْتَ، قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى آلِ فُلاَنٍ حَيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ فِيهِمْ تَرَاخٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فُلاَنَةَ لاِمْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فُلاَنَةَ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللهِ، وَبِرَسُولِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَاللَّهِ لاَ يَرْجِعُ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ بِحَاجَتِهِ فَزَوَّجُونِي وَأَلْطَفُونِي، وَمَا سَأَلُونِي الْبَيِّنَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَزِينًا، فَقَالَ لِي: مَا لَكَ يَا رَبِيعَةُ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَيْتُ قَوْمًا كِرَامًا فَزَوَّجُونِي، وَأَكْرَمُونِي وَأَلْطَفُونِي وَمَا سَأَلُونِي بَيِّنَةً، وَلَيْسَ عِنْدِي صَدَاقٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: يَا بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ، اجْمَعُوا لَهُ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَجَمَعُوا لِي وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ