الخامسة عشرة: بيان خطورة البطانة:
فهذه المرأة لما كانت بطانة صالحة لزوجها أشارت عليه بعتق العبد, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا، وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» ، فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ؟» ، قَالَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ» ، فَانْطَلِقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟، فَقَالَتْ: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبْ لَنَا الْمَاءَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعُبُهَا، فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ، فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا أَوْ قَالَ: تَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ"فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ» قَالَ: فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا، أَوْ جَدْيًا، فَأَتَاهُمْ بِهَا، فَأَكَلُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟» ، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَائْتِنَا» ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «اخْتَرْ مِنْهَا» فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمْسُتْشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا» ، فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرأَتِهِ، فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا أَنْ تُعتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إلِاَّ وَلَهُ بِطَانَتَاَنِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ" [1]
وترجع خطورة البطانة للآتي:
أولًا: لأنهم يعرفون أسرار الإنسان.
ثانيًا: لأن العادة - في الغالب - أنه يتأثر منهم، ويقتنع بإشارتهم, ويعمل برأيهم، فإذا كانوا بطانة خير كانت أعماله خيرًا؛ لأن البطانة يشيرون عليه بالخير، وإذا كانوا أهل سوء فهو يتأثر بهم؛ لأنهم ندماؤه وجلساؤه وأهل ثقته وخاصته والمقربون إليه! فإن دلوه على شر فإنه سيفعل شرًا - في الغالب- فمن وقي بطانة الشر فقد وقي.
السادسة عشرة: الشر محيط بنا!
(1) - السنن الكبرى للنسائي (6/ 212) (6583) صحيح