شرح الحديث:
قال النووي: مَذْهَب أَهْل الْعِلْم, وَإِجْمَاعهمْ عَلَى صِحَّة تَوْبَة الْقَاتِل عَمْدًا, وَلَمْ يُخَالِف أَحَد مِنْهُمْ إِلَّا اِبْن عَبَّاس. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ خِلَاف هَذَا, فَمُرَاد قَائِله الزَّجْر عَنْ سَبَب التَّوْبَة, لَا أَنَّهُ يَعْتَقِد بُطْلَان تَوْبَته. وَهَذَا الْحَدِيث ظَاهِر فِيهِ, وَهُوَ إِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا, وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف فَلَيْسَ مَوْضِع الْخِلَاف, وَإِنَّمَا مَوْضِعه إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقْرِيره, فَإِنْ وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا شَكٍّ, وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعنَا بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: (وَاَلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلا يَقْتُلُونَ) إِلَى قَوْله: (إِلاَّ مَنْ تَابَ) الْآيَة وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا) فَالصَّوَاب فِي مَعْنَاهَا: أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّم, وَقَدْ يُجَازَى بِهِ, وَقَدْ يُجَازَى بِغَيْرِهِ وَقَدْ لَا يُجَازَى بَلْ يُعْفَى عَنْهُ, فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلًّا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيل, فَهُوَ كَافِر مُرْتَدّ, يَخْلُد بِهِ فِي جَهَنَّم بِالْإِجْمَاعِ, وَإِنْ كَانَ غَيْر مُسْتَحِلّ بَلْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمه فَهُوَ فَاسِق عَاصٍ مُرْتَكِب كَبِيرَة, جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا, لَكِنْ بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلَّد مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا, فَلَا يَخْلُد هَذَا, وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ, فَلَا يَدْخُل النَّار أَصْلًا, وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْهُ, بَلْ يُعَذَّب كَسَائِرِ الْعُصَاة الْمُوَحِّدِينَ, ثُمَّ يَخْرُج مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّة, وَلَا يُخَلَّد فِي النَّار, فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الْآيَة, وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه يَسْتَحِقّ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَة أَنْ يَتَحَتَّم ذَلِكَ الْجَزَاء, وَلَيْسَ فِي الْآيَة إِخْبَار بِأَنَّهُ يُخَلَّد فِي جَهَنَّم, وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهَا جَزَاؤُهُ أَي: يَسْتَحِقّ أَنْ يُجَازَى بِذَلِكَ.
وقوله في الحديث: (وَلا تَرْجِع إِلَى أَرْضك فَإِنَّهَا أَرْض سُوء) قَالَ الْعُلَمَاء: فِي هَذَا اسْتِحْبَاب مُفَارَقَة التَّائِب الْمَوَاضِع الَّتِي أَصَابَ بِهَا الذُّنُوب, وَالأَخْدَان الْمُسَاعِدِينَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمُقَاطَعَتهمْ مَا دَامُوا عَلَى حَالهمْ, وَأَنْ يَسْتَبْدِل بِهِمْ صُحْبَة أَهْل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَالْعُلَمَاء وَالْمُتَعَبِّدِينَ الْوَرِعِينَ وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ, وَيَنْتَفِع بِصُحْبَتِهِمْ, وَتَتَأَكَّد بِذَلِكَ تَوْبَته. [1]
من فوائد الحديث:
قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .
1 -مشروعية التوبة من جميع الكبائر حتى من قتل الأنفس, ويحمل على أن الله تعالى إذا قبل توبة القاتل تكفل برضا خصمه.
2 -فضل العالم على العابد لأن الذي أفتاه أولا بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من استجرائه على قتل هذا العدد الكثير, وأما الثاني فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة.
(1) - شرح النووي على صحيح مسلم, 17/ 82 - 83