و يتميّز علم المنطق فيما يتميّز بأن نتائجه وسيلة لتأييد الفلسفات التي منها انطلق و على أبعادها اعتمد. فكيف يستقيم أن يكون المنطق مطلوبا لعملية التفكير الفلسفي، و في الوقت نفسه، نتيجة مترتّبة على نوع التفكير؟ هنا تكمن صعوبة هذا العلم و فعاليته في التعبير عن نمط الفكر و وظيفته فيه معا. لذا لم يكن غريبا أن ينبري كثيرون من مفكّري الإسلام إلى معارضة المنطق الأرسطوي، و لا سيّما أن المنطق الأرسطوي بأعمال معلّمه الأول و شرّاحه صورة صادقة عن الفلسفة و العلم اليونانيين، صدر عن العقلية اليونانية و حمل سماتها، و تميّز بميّزتها، و خصوصا في نظرتها إلى الوجود و المعرفة.
توجهات مناطقة العرب
وقف المناطقة العرب المفكّرون المسلمون وقفة المتسائل: كيف يمكن استبعاد الثقافة الأجنبية المغايرة للذات؟ أو لا تقدّم الكثير من الفعالية و عناصر التأثير في وجوه النشاط العقلية المستجدة؟ و لا ضير إن ذكرنا أنهم تمثّلوا يومذاك العطاء اليوناني الأجنبي تمثّلا حسنا. و الأرجح أنه لم يكن افتتانا و توفيقية قسرية أو تبنّيا تاما لآراء الآخر، بل تعدّى ذلك إلى تحويل المنطق بطبعه بطبع العربية و وسمه بميسم المعاني الإسلامية، حيث غدا في تفريعاته يحمل الأبعاد العربية و الإسلامية، و يتجه توجّهات تجريبية، تطغى عليه أحيانا الأبحاث الاسمية و المحصّلات الإجرائية العملية. و من ثمّ تجاوز إلى حدّ بعيد ما كان قد رسمه له المعلّم الأول من أطر برهانية و قياسية و جدلية.
و يرى البعض أنه قد بلغ في أبحاثه بعض مسائل مناطقة العصر الحديث و توجّهاتهم دون صياغة تجريدية أو رمزية محكمة.
لكن ما كان مسوّغا في الحقبة الوسيطة من عصر الإنسانية، بسمتها الايمانية و الميتافيزيقية، غدا غير فعّال في عصرنا الراهن. إذ كيف يمكن أن نجعل اللحظة الماضية منطلقا كينونيا و معرفيا يفعل فعله في الحاضر و المستقبل؟ و كيف نتمثّله و نعيد قراءته و نوظّفه في الحاضر الذي أضحى بعيدا عن الماضي في بناءاته المعرفية و أدواته التطبيقية بعدا تاما؟
أهمية المصطلح المنطقي
و لعلّ هذه الإشكالية قد سعينا إلى حلّها بجمع المنطق و توثيقه في حقبته الزمنية