الصفحة 3 من 1284

إن علم المنطق خير معبّر عن طبيعة التصوّرات و الأحكام و نهجها، يعكس في قضاياه علامات دالّات و شواهد قائمة على الأسس الفلسفية و الفكرية و العلمية المحصّلة بالجهد العقلي، موسوم بآثارها و معالم تدبيرها و تجلّي تراكيبها و تواري خلفياتها. و هذه الأسس، على اعترافها بالحاجة إلى المنطق و افتقارها إليه، تتباين بتباين العصور و الثقافات. فالمنطق و النشاط العقلي صنوان لا يفترقان، ينمّان على البنية الذهنية و الفكرية و الناتج العلمي العملي.

و لعلّ الاهمية التي تعلّق اليوم على المنطق كبيرة، لما يجري فيه و عنه من أبحاث، و هي أبحاث تتعدّى المنهج لتطال الرياضيات و العلوم فترمّزهما و تختزلهما بمعادلات و مسلّمات، مشكّلة البنيّات الصورية القاعدية. و يتجلّى ذلك في محصّلات أعمال حلقة قينّا، و تيار اكسفورد المنطقي اللسني، و غيرهما من توجهات منطقية معاصرة. بيد أن هذه الأبحاث و الاكتشافات الجديدة في المادة المنطقية و تطويرها ليست إلا حلقة عليا في سلسلة من الترقّي لا تنعزل عن حقب تاريخ المنطق في مختلف مراحله.

و لا غرو، فإن الحاجة إلى تطوير المادة المنطقية تعميقا و توسيعا يشعر بضرورة الاطلاع أو المزيد منه على هذه المرحلة أو تلك من تاريخ هذه المادة. فتوضيح كل فترة من فترات تاريخ المنطق و الكشف عن غوامضها و مجاهلها لا بد أن يلقي أضواء جديدة على نواح من هذا العلم، لم تكن معروفة أو على الأقل كانت مهملة قبل ذلك.

و هذا القول إن صدق على مادة علم المنطق، فالأجدر و الأحق أن يصدق على هذه المادة في صياغتها العربية، و عند محطتها العربية و الاسلامية الطويلة زمنيا. فقد تحوّلت منهجيا من الاستنباط إلى بعض من الاستقراء أو من المعيارية نحو بعض من التجريبية، بعد امتزاج المنطق بأصول الفقه و التجارب العلمية في ميادين علوم تلك الحقبة، و تبعا لطبيعة اللغة العربية المنطلقة من المحسوس المعيّن المشخّص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت