ثم استدلَّ ابن حزمٍ للمسألة بقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (الحجرات: من الآية 9) ولم يفرَّق بين حاكمٍ ومحكومٍ، مع نص الفقهاء على أنّ من خرج على السلطان يُسأل فإن ذكر مظلمة كشفت، أو شبهةً أُزيلت، وهو استدلالٌ قويٌّ، من جهة عموم الحكم ولا مخصص، ومن جهة أنَّ الصورة التي ورد فيها العموم يكثر أن تكون مع سبق ولاية لأمير فئةٍ على الفئتين جميعًا؛ فلا يُمكن أن تُخرج هذه الصورة من لفظ العموم مع كثرة وقوعها، ومن أقوى الوجوه في هذا فعل عائشة وطلحة والزبير - مخطئين - في قتالهم لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم جميعًا، وقد أخطؤوا في ظنهم أن عليًّا في الفئة الباغية لا في كونهم رأوا قتال الفئة الباغية، وقد قاتلوا السلطان في خروجهم ذلك، وكذلك فعل معاوية في قتاله لعلي ومن كان مع معاوية من الصحابة رضي الله عن الجميع، فهؤلاء الصحابة رأوا قتال ولي الأمر لما ظنوه هو الباغي، ولم يُذكر اختلافٌ في حكم قتال ولي الأمر الباغي، وإنَّما كان الخلاف في الحق مع من هو؟، ولو كانت مقاتلة ولي الأمر لا تجوز ولو كان باغيًا لانتهى الخلاف بين الصحابة بهذا: إمَّا أن يكون عليٌّ مصيبًا فيلزمهم النزول لحكمه، وإمَّا أن يكون مخطئًا فلا يجوز لهم مقاتلته، ولكنهم ما فهموا هذا من دين الله، ولا نسبوه - فيما نعلم - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.