الصفحة 104 من 135

فإن كان المخالف لا يرى أنَّ المراد في الحديث السمع والطاعة في أن يأخذ السلطان ماله بغير وجه حق، وأن يجلد ظهره لغير موجب شرعي، ولكن رأى أنَّ مجرَّد مدافعة السلطان خلافٌ لما أُمر به من طاعته، بخلاف الفرار منه وتغييب المال عنه؛ فيلزمه أنَّ السُّلطان لا يُدافَع عن شيءٍ من الحُرمات البتّة، ولو أراد عرض الرجل لم يكن له أن يدفعه ولا بيده، بل ولو أرادت المرأة الشريفة العفيفة أن تمتنع منه لم يكن لها ذلك إلا بالفرار، وليس لها أن تدفعه بيدها لأنَّه وليُّ أمر المسلمين، وإذا التزم هذا في السلطان، فليُعلم أنَّه ليس مختصًّا بإمام المسلمين، والسلطان الذي ليس فوقه سلطان لبشر، بل هو يشمل كل صاحبِ ولايةٍ على ولايته، وكل وكيلٍ لأميرٍ في أمرٍ من الأُمور، باعتبار نيابتهم للسلطان، وكون مقاتلة الواحد منهم كمقاتلة السلطان الَّذي أنابه، فيحرم أن يدفع الموظّف مديرهُ، والمرؤوس رئيسه عن عرضه، ولا يجوز له أن يزيد عن نهيه بالكلام، أو الفرار منه إن استطاع، فإن لم يستطع الفرار، لم يجز له أن يدفع عن عرضه بيده، وكذلك الموظفة عند رئيسِها، متى كان الرئيس والمرؤوس في كل ذلك موظفًا حكوميًّا، وإنَّما استطردتُ في هذا اللازم لبيان شناعة هذا القول الذي اجتمعت أدلة الشرع والعقل والفطرة السويّة في دفعه.

والقول الَّذي قُلناه هو ما دلَّ عليه الكتاب فيما يُفهم من آية البغاةِ، وفي عموماتٍ كثيرةٍ، وما دلت عليه السنة في الحديث المتفق عليه: "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، وبه فهم الحديثَ عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو راوي الحديثِ، وهو صحابيٌّ، بل من علماء الصحابة وكان غزير العلم كما قال المزِّي في ترجمته من تهذيب الكمال، واشتهرت الواقعة ولم يُنكرها أحد من الصحابة ولا التابعين، وفقهاء الصحابة يومئذٍ متوافرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت