الصفحة 67 من 135

أمَّا والواقع فيه من المنكرات والكبائر بل والشرك والكُفريَّات ما لا يُحتمل، فإنَّ تغييرَه من أوجب الواجبات، والمطالب بالمحافظة على الواقع لو وازن بين الواقع القائم بما فيه، والمفاسد التي يخشاها من التغيير علمَ أنَّ الواقع لا يمكن السكوت عنه واحتماله بحالٍ من الأحوالِ، ولكنَّه الإلفُ والاعتيادُ، الَّذي يجعل الناس يستسهلون ما نشؤوا عليه أو تعوَّدوه وسهل عليهم، وكثرة المساسِ تُفقد الإحساسَ، والقلب الَّذي غشيته الذنوب، وغلفه الران، وطغت عليه الدنيا، لا يحرِّكه إلاَّ حظوظُ نفسِهِ، ولا يألمُ إلاَّ لدنياهُ الدنيَّةِ وشهواتِه.

وإلاَّ فهل يستطيع مسلمٌ احتمال المحاكم الطاغوتيَّةِ الوضعيَّةِ التي تحكم بين المسلمين بدساتير كافرةٍ وضعيَّةٍ جائرةٍ، وهو يعلمُ أنَّ هذا من الكفر الأكبر المستبين؟! وهل يقبل قلبٌ فيه حياةٌ أن يُدنّس بلاد المسلمين عامَّة، وجزيرة العرب خاصَّة، شرذمةٌ من العلوج الصليبيين؟! وإذا احتمل هذا، فهل يحتمله مع حربهم للمسلمين في كل مكان، وتقتيلهم إخوانه وانتهاكهم أعراض أخواتِهِ؟ وإذا كان من حجرٍ ولم يلن لهذا؛ فهل يحتملُ بعد أن يعلم أنَّ المسلمين الَّذين قتّلوا وشرّدوا وأهلكت ديارهم وأموالهم، إنَّما كان ضربُهُم والعدوان عليهم بطائراتٍ تخرج من بلادهِ، وجيوشٍ تُقاد من أرضه؟!

هذا لو لم يكن من الله أمرٌ صريحٌ ظاهرٌ، لا يُدفع بمثل هذه التعلُّلاتِ والأباطيلِ، فكيف والأمر صريحٌ صحيحٌ بيّنٌ بقتال المشركين، من كفّارٍ أصليِّين معتدين، وخونةٍ عملاءَ مرتدِّين متسلّطين على رقاب المسلمين؟

فليست القضيَّةُ مكاسبَ مقدّرةً يُراد الوصول إليها فيُدفع ذلك بالمفاسد الناجمة عنها، بل هي مفاسدُ قائمةٌ، على صدر الأُمَّةِ جاثمةٌ، والتغيير إزالةٌ للمفسدةِ لا استجلابٌ للمصلحةِ، فلو لم يكن فيه نصٌّ لكان العقل السويُّ، والفطرة السليمة مقتضِيَينِ للعمل على اقتلاع هذا الفساد، وإراحة العباد والبلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت