وَأَكَّدَ اللهُ تَعَالَى إِنْكَارَهُ هَذَا عَلَى هَؤُلاَءِ القَائِلِينَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ،فَقَالَ لَهُمْ:إِنَّهُ يَكْرَهُ كُرْهًا شَدِيدًا أَنْ تَقُولُوا شَيئًا لاَ تَفْعَلُونَهُ لأَنَّ الوََفَاءَ بِالعَهْدِ وَالوَعْدِ يُنَمِّي الثِّقَةَ بَينَ أَفْرَادِ الجِمَاعَةِ،كَمَا أَنَّ فُشُوَّ الخُلْفِ بِالوَعْدِ يُضْعِفُهَا.
ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا،سواء ترتب عليه غُرم للموعود أم لا. واحتجوا أيضا من السنة بما ثبت في الصحيحين [1] عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ،وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ،وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ » . [2]
ولما كانت هذه صفات المنافقين كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين،ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد،قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} (54) سورة مريم،وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق الوعد أيضا لا يعد أحدا شيئا إلاّ وفّى له به. وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب ،فعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ،أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ،مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ،مَقْتَلَ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ،رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ،لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ،فَقَالَ لَهُ:هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا ؟ فَقُلْتُ لَهُ:لاَ،فَقَالَ لَهُ:فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ،وَايْمُ اللهِ،لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لاَ يُخْلَصُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا حَتَّى تُبْلَغَ نَفْسِي ؛إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ،عَلَيْهَا السَّلاَمُ،فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ،عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا،وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ،فَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي،وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا،ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ،فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ،قَالَ:حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي،وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي،وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلاَلًا،وَلاَ أُحِلُّ حَرَامًا،وَلَكِنْ وَاللهِ،لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ أَبَدًا" [3] "
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة - (8 / 105)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (33 ) وصحيح مسلم- المكنز - (220 )
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (3110 )