فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 395

ففي هذه الحديث نفيُ كمال الإيمان الواجب عن المسلم حتى يحبَّ لأخيه المسلم ما يُحبُّ لنفسه،وذلك في أمور الدنيا والآخرة،ويدخل في ذلك أن يُعاملَ الناسَ بمثل ما يحبُّ أن يُعاملوه به،فقد جاء في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ،وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ"" [1] "

وقال الله عزَّ وجلَّ: { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) [المطففين:1 - 6] }

المَعْنَى المَقْصُودَ بِالمًطَفِّفِينَ فَقَالَ:هُمُ الذِينَ إِذَا كَانَ المَالُ لِلنَّاسِ،وَأَرَادُوا أَنْ يَكِيلُوا مِنْهُ لأَنْفُسِهِمْ زَادُوا فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ،وَاسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِمْ .وَإِذَا كَانَ المَالُ لَهُمْ وَأَرَادُوا أَنْ يَكِيلُوا مِنْهُ لِلنَّاسِ أَوْ يَزِنُوا لَهُمْ،أَنْقَصُوا مِنْهُ،وَأَعْطَوْهُمْ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِمْ.أَيَظُنُّ هَؤُلاَءِ أَنَّهُمْ لَنْ يُبْعَثُوا يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسَبُوا أَمَامَ اللهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ؟ فَهَذِهِ الأفْعَالُ المُنْكَرَةُ لاَ تَصْدُرُ عَمَّنْ يَعْتَقِدُ بِوُجُودِ اللهِ،وَأَنَّ اللهَ سَيَجْمَعُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.أَيْ أَلاَ يَعْتَقِدُ هَؤُلاَءِ أَنَّهُمْ سَيُبْعَثُونَ فِي يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ - هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ - لِيُحَاسِبُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ؟..وَفِي هَذَا اليَوْمِ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ،وَيَقُومُونَ بَيْنَ يَدِي رَبِّهِمْ حُفَاةً عُرَاةً لِلْعَرْضِ وَالحِسَابِ،وَهُوَ يَوْمٌ شَدِيدُ الهَوْلِ عَلَى الكَافِرِينَ لِمَا يَرَوْنَهُ وَيَنْتَظِرُونَهُ مِنْ عَذَابٍ . [2]

وقال الحافظ ابن رجب:"وحديث أنس يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يَسرُّه ما يسرُّ أخاه المؤمن،ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير،وهذا كلُّه إنَّما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغلِّ والغِشِّ والحسد،فإنَّ الحسدَ يقتضي أن يكره الحاسدُ أن يفوقَه أحدٌ في خير،أو يساويه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أن يَمتاز على الناس بفضائله،وينفرد بها عنهم،والإيمان يقتضي خلافَ ذلك،وهو أن يشركه المؤمنون كلُّهم فيما أعطاه الله من الخير،من غير أن ينقص عليه منه شيء،...وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يُحبَّ للمؤمنين ما يُحبُّ"

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (4882 ) مطولا

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5727)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت