"لقيتُه قائمَين"، تريد حالًا منك، وحالًا منه، نحوَ قول الشاعر [من الوافر] :
مَتَى ما تَلْقَني فَرْدَيْن تَرْجُفْ ... رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارَا [1]
قال صاحب الكتاب: و"صَحْرَة وَبَحْرَة"، أي: ذَوَيْ صحرةِ وبحرةِ، أي: انكشاف واتساع لا سُتْرةَ بيننا. ويُقال:"أخبرتُه بالخبر صحرةَ بحرةَ"، ويقولون:"صحرةً بحرةً نَحْرَة"، فلا يبنون لئلا يمزُجوا ثلاثةَ أْشياءَ، وهو"جارِي بَيتٌ إلى بيتٍ، أو بيتٌ لبيتٍ"، أي: هو جاري مُلاصِقًا، و"وقع بَينَ هذا، وبين هذا". قال عَبِيد [من مجزوء الكامل] :
656 - [نَحْمي حَقيقَتَنا] وَبَعْضُ ... القَوْمِ يَسْقُطُ بَينَ بَيْنَا
قال الشارح: يُقال:"لقيتُه صَحْرَةَ بَحْرَةَ"، أي: ليس بيني وبينه ساتر، وهما مركبان، والتقديرُ: صحرة وبحرة، فحُذفت الواو، وتضمن الكلامُ معناها، فبُني لذلك، وفُتح للخفة، وموضعُهما حال. والتقدير: لقيتُه بارزًا، واشتقاقُهما من"الصحْراء"، و"البَحْر"، و"صحرة"و"بحرةٌ"مصدران، أي: ذوَيْ صحرةٍ وبحرةٍ، أي: ذوي انكشافٍ واتّساع. ويقولون:"لقيتُه صَحْرَةً بَحْرَةً نَحْرَةً"، فيُعربونها، وينصبونها منونة؛ لأنّهم لا يُركبون ثلاثة أشياء اسمًا واحدًا، و"نَحْرَة"من"نَحْرِ الشهْر"، وهو أولُه، أي: لقيتُه مكشوفصا نهارًا.
(1) تقدم بالرقم 275.
656 -التخريج: البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 141؛ وخزانة الأدب 2/ 213؛ والدرر 6/ 324؛ وسر صناعة الإعراب 1/ 49؛ وشرح شواهد المغني 1/ 258؛ والشعر والشعراء 1/ 273؛ ولسان العرب 13/ 66 (بين) ؛ واللمع ص 242؛ والمقاصد النحوية 1/ 491؛ وهمع الهوامع 2/ 229؛ وبلا نسبة في الدرر 3/ 122؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص 106؛ وهمع الهوامع 1/ 212.
اللغة: الحقيقة: ما يجب الحفاظ عليه كالعرض والنفس ونحوهما.
المعنى: إننا نحافظ على ما يجب الحفاظ عليه، ونبذل في سبيل ذلك كلّ غالٍ ونفيس، وبعضنا يستميت في سبيل الدفاع عن هذه الحقيقة.
الإعراب:"نحمي": فعل مضارع مرفوع بالضمّة المقدّرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن."حقيقتنا": مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"نا": ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة."وبعض": الواو: حالية، و"بعض": مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف."القوم": مضاف إليه مجرور."يسقط": فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو."بين بينا": اسم مبني على فتح الجزأين في محلّ نصب مفعول فيه، متعلّق بمحذوف حال من الضمير المستتر في"يسقط"، والألف: للإطلاق.
وجملة"نحمي حقيقتنا": لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية أو استئنافية. وجملة"بعض القوم يسقط": في محل نصب حال. وجملة"يسقط": في محلّ رفع خبر المبتدأ"بعض".
والشاهد فيه استعمال"بين بين"بمعنى: بين هذا وبين هذا.