يقول الخطيب البغدادي (ت462هـ) :-"أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه، وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة"أ-هـ [1] .
ولاشك بأن الأصل في الاستفتاء هو: أن يذهب العامي إلى العالم ويجتمع به ويسأله عن الحكم الذي أشكل عليه، ثم يسمع الفتوى منه مشافهة فيأخذ بقوله ويعمل به [2] .
فهذا هو المنهج الأمثل في التقليد، لأن لقاء العامي بالعالم وسؤاله مباشرة يمكن المفتي من الوقوف على حقيقة مسألته من خلال مناقشته له، واستفساره منه، وهذا أدعى إلى إصابة الحق، والأمن من الخطأ، وسوء الفهم.
لكن هذا الأمر ليس متاحًا لكافة الناس، نظرًا لكثرتهم، وتعدد مسائلهم، وتباعد أوطانهم، مع قلة المجتهدين بل وندرتهم في بعض البلدان.
ونظرًا لشدة الحاجة إلى هذا الأمر وعدم جواز تعطيله فقد سعى الأصوليون الأوائل إلى إيجاد بعض المخارج والحلول لهذه المعضلة، فأباحوا الاستفتاء والتقليد من خلال الوسائل المتاحة في زمانهم، وأهمها: نقل الثقة، والكتابة، أو الخط [3] ، إعمالًا لمقصد شرعي مهم وهو: التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم.
(1) الفقيه والمتفقه 2/ 375.
(2) انظر المحصول 6/ 99، وفتاوى ابن الصلاح 1/ 91، وآداب الفتوى 83، وصفة الفتوى 83، وإرشاد الفحول 271.
(3) انظر الفقيه والمتفقه 2/ 299 - 402، وفتاوى ابن الصلاح 1/ 91، والمحصول 6/ 99 - 100، وصفة الفتوى 83، وآداب الفتوى 83، وإعلام الموقعين 4/ 264، 265، والأشباه والنظائر للسيوطي 331، وكشاف القناع 6/ 308.