غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله"أ-هـ [1] ."
5 -أن لهذه المؤسسات دورًا بارزًا في تضييق هوة الخلاف بين مجتهدي العصر، وذلك لأن اجتماعهم في مكان واحد ييسر دروب المناظرة والحوار والنقاش، ويساهم في تمحيص الأدلة والحجج، ومما لاشك فيه أن التواصل بين المختلفين في مسألة ما، وطرح كل فريق ما لديه، وسماع ما لدى الآخرين من أسباب إصابة الحق، والأمن من الخلل في الفهم، وعلى العكس، فإن عدم اجتماعهم والاكتفاء بنقل خلافهم قد يورث خللًا في الفهم، فينسب إلى العالم قولًا لا يعنيه، وقد حدث هذا مع جهابذة العلماء، كالأئمة الأربعة، وغيرهم، في مسائل أصولية وفرعية، ولعل من أشهرها: خلاف الشافعي مع أبي حنيفة في الاستحسان، وخلاف الأئمة الثلاثة مع مالك في عمل أهل المدينة [2] ، وغيرها، فإن من حقق أقوال الأئمة في مثل هذه المسائل أدرك أن نقل الخلاف فيها مرده إلى الفهم الخاطئ، وكثيرة هي المسائل التي يحكى فيها الخلاف بين الأئمة، ثم ينتهي المحققون فيها إلى أن الخلاف لفظي، وأن سببه عدم تحرير محل النزاع.
المسألة الثالثة
العلاقة بين اجتهاد المؤسسات ودليل الإجماع
سبق القول بأن بداية ظهور دليل الإجماع كانت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، من خلال مجالس الاجتهاد الجماعي التي كان الخلفاء يعقدونها للنظر في حكم النوازل التي تقع [3] ، ومن ذلك قصة جمع عمر لفقهاء الصحابة في حد الخمر، ودية الجنين، وغيرها.
(1) الرسالة 510 - 511.
(2) لعل مما يؤكد أثر الاجتماع في فهم رأي المخالف ما نقله الباجي وغيره عن أبي يوسف أنه اجتمع بالإمام مالك وسأله عن المسائل فأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر، فرجع أبو يوسف عن قوله، وقال:"لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع مثلما رجعت". انظر إحكام الفصول 483 - 484، ومجموع الفتاوى 20/ 304، والبحر المحيط 529 - 531.
(3) انظر سنن الدارمي، المقدمة، باب اتباع السنة 1/ 61، رقم 115، والبرهان 2/ 500، وتفسير القرطبي 6/ 232.