وفي هذا العصر - الذي شهد تقدمًا مذهلًا في تقنية الاتصالات والمعلومات، وتطورًا هائلًا في وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي- ظهرت وسائل حديثة وتقنيات متنوعة يمكن من خلالها أن يتواصل المقلدون مع العلماء والمفتين مهما نأت بهم الديار، بل فرض هذا الأمر نفسه فصار واقعًا يمارس على مدار الساعة، فكان لابد من بيان حكمه وتفصيل القول فيه.
وسوف أقسم الكلام في هذه النازلة إلى ثلاث مسائل:
المسألة الأولى
أهم صور التقليد في العصر الحاضر
إن المتأمل في واقع عصرنا الحاضر يدرك أن أهم صور التقليد عبر الوسائل الحديثة ما يأتي:
أ - التقليد من خلال التلفاز.
وهو من أكثر وسائل التقليد انتشارًا بسبب كثرة القنوات الفضائية، والتقدم الهائل الذي تم في هذا المجال، والمتابع لبرامج هذه القنوات يلاحظ أن أغلب محطات العالم الإسلامي- وخصوصًا المحطات الرسمية- قد خصصت برامج للإفتاء - بعضها مباشر وبعضها مسجل- يتولى فيها ثلة من العلماء أو طلبة العلم الإجابة على أسئلة المشاهدين، وبيان الأحكام لهم، وهذه البرامج تحظى بنسبة مشاهدة عالية من قبل عامة المسلمين، ويركن إليها - بل ويكتفي بها- ملايين المسلمين في أصقاع المعمورة، بدليل ازدحام خطوط هواتف هذه البرامج، وتنوع الاتصالات، وتعدد مصادرها.
وهذه النازلة الجديدة تعد من البدع الحسنة من حيث المبدأ، على اعتبار أن هذه الفضائيات فتحت قنوات للتواصل بين العالم وملايين المحتاجين إليه، مما كان له الأثر الظاهر في تبصير الناس بأمور دينهم، وكشف ما قد يلتبس عليهم من الأحكام، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنًا من دون هذه الوسيلة.
ويبقى الأمر المهم وهو: حكم تقليد العامي للعالم عبر هذه الوسيلة، وهل تبرأ ذمته بذلك؟.
إن المتأمل فيما حرره علماء الأصول من الأحكام المتعلقة بالتقليد وما ذكروه من الضوابط العائدة إلى المقلِّد، والمقلَّد، ووسائل التقليد: يمكنه القول بجواز التقليد من خلال التلفاز إذا توفرت الضوابط الآتية: