المبحث الثاني
أهم النوازل الأصولية في العصر الحاضر
لابد قبل بيان أهم النوازل الأصولية في هذا العصر من التنبيه إلى أمر مهم سبق أن أشرت إليه في المقدمة وهو: أن هنالك فرقًا جوهريًا بين فكرة النوازل الأصولية وبين ما يسمى بتجديد أصول الفقه، فإن من الأمور المجمع عليها بين من يعتد بأقوالهم من علماء المسلمين أن أصول الفقه القطعية قد نضجت واكتملت في القرون الأربعة الأولى، ولم يعد هنالك مجال لإحداث مصدر من المصادر، أو اختراع حكم من الأحكام، أو إضافة قاعدة من القواعد القطعية بعد انقراض الأئمة المجتهدين وسدّ باب الاجتهاد، فقد قام هؤلاء بهذه المهمة الشريفة خير قيام، غير أن هذا لا يعني عدم جواز إعادة النظر في بعض المسائل الأصولية الظنية التي بنى فيها الأصوليون الأوائل اجتهاداتهم على وفق معطيات عصرهم، والأحوال والظروف التي كانت سائدة في زمانهم إذا تغيرت المعطيات وتبدلت الأحوال والظروف.
وسيكون الكلام في المسائل الأصولية التي تدخل تحت هذا الإطار في أربعة مطالب:
المطلب الأول
إمكانية الاطلاع على الإجماع ونقله
تقدم فيما مضى أن الإجماع يعد من النوازل الأصولية التي شهدها عصر الصحابة، وهذه المسألة من المسائل المهمة التي بني عليها الاحتجاج بهذا الدليل [1] .
وقد ذهب أكثر علماء الأصول إلى أن الاطلاع على الإجماع ونقله ممكن وغير متعذر [2] ، لكنهم نقلوا عن قوم أنهم منعوا ذلك بحجة: اتساع ديار الإسلام، وانتشار المجتهدين
(1) انظر المستصفى 1/ 173.
(2) انظر البرهان 1/ 432، واللمع 87، والمستصفى 1/ 173، وروضة الناظر 2/ 440، والإبهاج 2/ 391 - 392، والمحصول 4/ 26، والإحكام للآمدي 1/ 198، والبحر المحيط 3/ 489، والتحرير 400، فواتح الرحموت 2/ 212، والتقرير والتحبير 3/ 110.