يعد أبوتمام رأس الطبقة الثالثة من الشعراء المحدثين، وإليه انتهت معاني المتقدمين والمتأخرين، فهو (( شاعر مطبوع، لطيف الفطنة، دقيق المعاني، غواص على ما يستصعب منها، ويعسر متناوله على غيره ) ) [1] ؛ فـ (( شعره في الذروة ) ) [2] .
وكان أبوتمام (( كثير الاختراع والتوليد عند جمهور من علماء الشعر خلافا للقاسم ابن مَهْرُويه ) ) [3] ، (( لاقطا للمعاني الجميلة ) ) [4] .
وقد فضَّلَ أبا تمام من الرؤساء والكبراء والشعراء من لا يشق الطاعنون عليه غباره، ولا يدركون ـ وإن جدوا ـ آثاره، وما رأى الناس بعده ـ إلى حيث انتهوا ـ نظيرا ولا شكلا [5] .
واحتج بشعره بعض أئمة النحو واللغة، قال ابن جني: (( ... ولا يستنكر ذكر هذا الرجل(أبي تمام) ــ وإن كان مولدًا ــ في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه، ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المتقدمون. وقد كان أبوالعباس [6] ـ وهوكثير التعقب لجلة الناس ـ احتج بشيء من شعر حبيب بن أوس الطائي في كتابه الاشتقاق؛ لما كان غرضه فيه معناه دون لفظه، فأنشد فيه له:
لَورَأَينا التَّوكيدَ خُطَّةَ عَجزٍ ... ما شَفَعنا الأَذانَ بِالتَّثويبِ [بحر الخفيف]
وإياك والحنبلية؛ فإنها خلق ذميم، ومطعم على علاته وخيم )) [7] .
(1) الأغاني: [16/ 383] .
(2) سير أعلام النبلاء: [11/ 64] .
(3) كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب: 131 ــ132.
(4) أورد صاحب الأغاني قوله: (( مر أبوتمام بمخنث يقول لآخر: جئتك أمس، فاحتجبت عني، فقال له: السماء إذا احتجبت بالغيم رجي خيرها؛ فتبينت في وجه أبي تمام أنه قد أخذ المعنى ليضمنه في شعره؛ فما لبثنا إلا أياما حتى أنشدت قوله:
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب )) [16/ 693] .
(5) الأغاني: [16/ 384] .
(6) يريد المبرد محمد بن يزيد، الإمام في اللغة والنحووالأخبار، وكانت وفاته سنة 285هـ.
(7) الخصائص: [1/ 24] .