4.سنة إحدى وستين هجري (1) .
المطلب الثالث
أخلاق الإمام أبي حنيفة
فصَّلت الكلام في أخلاقه - رضي الله عنه - كتب المناقب وغيره؛ إذ ذكرت فصولًا في هيئته وصفته وحسن زيه، ووقاره وعقله، وورعه، وزهده، وأمانته، وحسن جواره، وتهجده بالليل وقيامه وقراءته وتضرعه، وسماحته وسخائه وبذله، وبرّه لوالديه، وغيرها بما يغني كل طالب، ويبيِّن أن هذا الإمام الكبير من أفراد الرجال الذين عرفتهم البشرية خلقًا وعبادةً وعلمًا وشهرة.
وسيأتي معنا شيئًا من ذلك عند ذكر ثناء العلماء والفقهاء له وتوثيقهم إياهم، وإنما سأكتفي هنا بذكر كلمة عن خُلِقه وخَلْقه، وخير مَن يصف لنا هذا الإمام أكثر الناس ملازمة له، وهو تلميذه أبو يوسف - رضي الله عنه -؛ إذ قال الخليفة هارون الرشيد له: (( صف لي أخلاق أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فقال: كان والله شديد الذبّ عن حرمات الله، مجانبًا لأهل الدنيا، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهذارًا ولا ثرثارًا، إن سئل عن مسألة كان عنده بها علم أجاب فيها، وما علمته يا أمير المؤمنين إلا صائنًا لنفسه ودينه مشتغلًا بنفسه عن الناس، لا يذكر أحدًا إلا بخير، فقال الرشيد: هذه أخلاق الصالحين ) ) (2) .
وكان - رضي الله عنه - أسمر اللون مع ميل إلى بياضة، ربعة من الناس إلى الطول أقرب، جميل الصورة، مهيب الطلعة، طويل اللحية، وقورًا، يتأنق في ثوبه وعمامته وعليه، حسن المنطق، حلو النغمة فصيحًا، كثير التطيب يعرف به إذا ذهب وإذا جاء، نحيفًا ما أبقى عليه خوفه من الله - جل جلاله - وطول مراقبته وكثرة عبادته فضلًا من لحم بله من شحم (3) .
(1) ينظر: مناقب المكي ص10، والوفيات 5: 413، والنافع الكبير ص41.
(2) ينظر: مناقب أبي حنيفة للذهبي ص6-7، وغيرها.
(3) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص79، وغيره.