الصفحة 143 من 306

ويبدو من خلال النصوص التي بين أيدينا أن أول من أرشده إلى الاهتمام بطلب العلم هو العالم المحدث المشهور الشعبي، فروي عن الإمام قال: (( مررت يومًا على الشعبي، وهو جالس فدعاني، وقال: إلى مَن تختلف؟ فقلت: أختلف إلى فلان، قال: لم أعن إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء، فقلت: أنا قليل الاختلاف إليهم، فقال: لا تفعل، وعليك بالنظر في العلم، ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك يقظة وحركة، قال: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف ـ إلى السوق ـ وأخذت في العلم، فنفعني الله تعالى بقوله ) ) (1) .

فيستفاد من هذا الحوار أن الإمام جعل كل اهتمامه بالعلم بعد أن كان أحد اهتماماته عند لقائه بالشعبي، الذي وجهه لطلبه عندما رأى عليه نباهة وفطنة ملفتة للانتباه، فجعل الله - جل جلاله - بنصيحة هذا العالم الصادق الخير لأمة محمد - رضي الله عنه - ليوم الدين، وصدق رسوله الكريم بقوله: (الدين النصيحة، قلنا: لمن قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) (2) .

ثالثًا: اهتمامه بعلم الكلام:

فبعد هذا التوجيه من الشعبي للإمام لطلب العلم، انصرف الإمام الأعظم في بداية أمره إلى تعلم علم الكلام وبلغ فيه الغاية القصوى من مناظرته للخصوم والرد على المخالفين من الفرق الأخرى، قال الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه: (( كنت رجلًا أعطيت جدلًا في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم، وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرها بالبصرة، فدخلت البصرة نيفًا وعشرين مرّة، ومنها ما أقيم سنة وأقل وأكثر، وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الإباضية والصفرية وغيره وطبقات الحشو... وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، وكنت أقول هذا الكلام في أصل الدين.

(1) ينظر: مناقب الموفق ص54، وغيرها.

(2) في صحيح البخاري 1: 30، وصحيح مسلم 1: 74، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت