الصفحة 144 من 306

فراجعت نفسي بعدما مضى لي فيه عمر، وتدبرت، فقلت: إن المتقدمين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين وأتباعهم لم يكن يفوتهم شيء مما ندركه نحن، وكانوا عليه أقدر وبه أعرف واعلم بحقائق الأمور، ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين، ولم يخوضوا فيه، بل أمسكوا عن ذلك، ونهوا عنه أشد النهي، ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه وكلامهم فيه، عليه تجالسوا، وإليه وبه حضوا وكانوا يعلمون الناس ويدعونهم إلى التعلم ويرغبونهم فيه، وكانوا يطلقون الكلام والمنازعة فيه، ويتناظرون عليه، ويفتون فيما يستفتونه.

على ذلك مضى الصدر الأول من السابقين، وتبعهم التابعون عليه، فلما ظهر لنا من أمورهم هذا الذي وصفنا تركنا المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام، واكتفينا معرفته ورجعنا إلى ما كان عليه السلف وأخذنا فيما كانوا عليه وشرعنا فيما شرعوا فيه... )) (1) .

والملاحظ من كلامه رحمه الله تعالى أنه إذا دخل أمرًا أوفاه حقه من الوقت والجهد، فها هو علم الكلام الذي أقبل على دراسته يسافر في طلبه لأخذه من أهله في موطنه البصرة، فيقيم المدّة الطويلة وهو يتلقاه على شيوخه، مما جعله مقدمًا في هذا الفن، فعن قبيصة بن عقبة: (( كان أبو حنيفة في أول أمره يجادل أهل الأهواء حتى صار رأسًا في ذلك منظورًا إليه، ثم ترك الجدال ورجع إلى الفقه والسنة فصار إمامًا فيه ) ) (2) .

(1) ينظر: مناقب الكردري ص138، ومناقب الموفق ص54-55، وغيرها.

(2) ينظر: مناقب الموافق ص53-54، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت