الصفحة 145 من 306

لكن هذا الاعتناء بعلم الكلام لم يدم؛ لما ذكر رحمه الله، بل بلغ به الحال إلى أن ينهى عن الخوض والمناظرة فيه، فعن ابنه حماد قال: (( رأيناك تناظر فيه وتنهانا عنه؟‍ فقال - رضي الله عنه: كنا نناظر وكأنّ على رؤسنا الطير، مخافة أن يزل صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد أن يزل صاحبه، فقد أراد أن يكفر صاحبه، ومن أراد أن يكفر صاحبه فقد كفر قبل أن يكفر صاحبه ) ) (1) .

رابعًا: أسباب انتقاله إلى الفقه منها:

فطنة الإمام ودقة فهمه ومعرفته لعواقب الأمور، وإمعانه في الطريق السبيل التي يسلكها، يدل على ذلك ما أجاب به الإمام عندما سأله الهيثم الطائي عن سبب اختياره للفقه، فقال: (( إني لما أردت تعلم العلم جعلت العلوم كلها نصب عيني فقرأت فنًا فنًا منها، وتفكرت عاقبته وموقع نفعه، فقلت آخذ في الكلام، ثم نظرت فإذا عاقبته عاقبة سوء، ونفعه قليل، وإذا أكمل الإنسان فيه، واحتيج إليه لا يقدر أن يتكلم جهارًا، أو رمي بكل سوء، ويقال: صاحب هوى.

ثم تتبعت أمر الأدب والنحو، فإذا عاقبة أمره أن أجلس مع صبي أعلمه النحو والأدب...

ثم تفكرت في أمر القراءات فقلت إذا بلغت الغاية منه اجتمع إلي أحداث يقرؤن علي، والكلام في القرآن ومعانيه صعب.

فقلت: أطلب الحديث، فقلت: إذا جمعت منه الكثير احتاج إلى عمر طويل حتى يحتاج الناس إلي، وإذا احتيج إلي لا يجتمع إلا الأحداث، ولعلهم يرمونني بالكذب، أو سوء الحفظ، فلزمني ذلك إلى يوم الدين.

(1) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص51 مناقب الإمام أبي حنيفة لابن البزازي 1: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت