الصفحة 146 من 306

ثم قلبت الفقه، فكلما قلبته أو أدرته لم يزدد إلا جلالة ولم أجد فيه عيبًا، ورأيت أوله الجلوس مع العلماء والفقهاء والمشايخ، ثم إذا حدثت مسألة في المنزل أو القرابة أو الحي سألوني عنها، فإن كانت منها معرفة وإلا قالوا: سل الذين تجالسهم، فأسأل عنها... )) (1) .

حاجة الناس لعلم الفقه وسؤالهم فيه، وعدم اعتنائهم بعلم الكلام، وهذا واضح جلي لكل صاحب بصيرة، فعلوم الشريعة باختلافها شريفة، إلا أن علم الفقه هو الجانب العملي والتطبيقي منها، وأكثر ما يحتاجه المسلمون في تعاملاتهم التعبدية والأسرية والتجارية والسياسية والقضائية وغيرها، فمن اشتغل به لبى حاجة من حوله في الأحكام الشرعية.

فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه: (( كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا، فقالت: رجل له امرأة أمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها، فأمرتها أن تسأل حمادًا، ثم ترجع فتخبرني، فسألت حمادًا، فقال: يطلّقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلَّت للأزواج، فرجعت فأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام وأخذت نعلي، فجلست إلى حماد... ) ) (2) .

وأنشد الموفق المكيّ (3) قائلًا:

حتى اعتلى منها ذرى الأطواد

نعمان قد سبر العلوم بأسرها

قد راح في الأغوار والأنجاد

ثم انثنى منها إلى الفقه الذي

محمود فطنته إلى حماد

وهداه لما لج في طلب الهدى

حقًا برغم معاطس الحساد

ثم انبى من بعده يفتي الورى

هدت مصاعها قوى الصعاد

لقد ارتقى من فقهه في قلة

في عصره تبديد رجل جراد

اعصار دولته مبدد كل من

(1) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص5-6، ومناقب المكي ص52-53، مناقب الكردري ص137

(2) ينظر: مناقب الكردري ص135، ومناقب المكي ص51-52، وغيرها.

(3) في مناقبه ص58-59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت