الصفحة 148 من 306

فلا عجب إذا حدثت في تفكير هؤلاء فوضى واضطراب واختلال عند أول صدمة تصدمهم من مطالعة كتب يصدرها الناشرون لدعاية خاصة غير مكشوفة بادئ بدئ، فيكون هؤلاء أول ضحية لتلك الدعايات الصادرة لتفريق كلمة المسلمين باسم العلم، حيث لا يوجد عندهم وازع يمنعهم من التورط فيما ليس لهم به علم، ولا عدة تحميهم من مسايرة الجهل، بل يعدون أنفسهم علماء بمجرد أن حذقوا لغة أمهاتهم بدون أن يتم تكوينهم العلمي تحت حراسة نظام دقيق في التفقيه، مع أن الواجب على من يعد نفسه من صنف العلماء أن يربا بنفسه أن يظهر بمظهر الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، كما يقول علي - رضي الله عنه -، فعار على من يدعي العلم أن يكون بهذه الحالة المنكرة )) .

فهذا الاضطراب والفوضى التي نعايشها، لم تصب أسلافنا لسيرهم على الطريق الصحيح في التعلم بأخذه من أهله، وملازمتهم، يرشد إلى ذلك قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه: (( جلست إلى حماد فكنت أسمع مسائله فأحفظ قوله، ثم يعيدها من الغد، فاحفظ ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي غير أبي حنيفة فصحبته عشر سنين، ثم إني نازعتني نفسي الطلب للرئاسة، فأحببت أن اعتزله وأجلس في حلقة لنفسي فخرجت يومًا وعزمت أن أفعل فلما دخلت المسجد فرأيته لم تطب نفسي أن أعتزله فجلست معه، فجاءه في تلك الليلة نعي قرابة له، قد مات بالبصرة وترك مالًا وليس له وارث غيره، فأمرني أن أجلس مكانه فما هوإلا أن خرج حتى وردت علي مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابي فغاب شهرين، ثم قدم فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوًا من ستين مسألة فوافقني في أربعين وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي أن لا أفارقه حتى يموت، فلم أفارقه حتى مات، فصحبته ثماني عشرة سنة ) ) (1) .

(1) ينظر: مناقب الكردري ص135، ومناقب المكي ص51-52، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت