الصفحة 149 من 306

فهذا الفقه العظيم الذي روى به الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - الأمة الإسلامية كان مصدره هو ملازمة الأشياخ، والأخذ عنهم، ومتابعتهم فيما يقولون مما تناقلوه جيلًا عن جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول - رضي الله عنه: (( لزمت حمادًا لزومًا ما أعلم أن أحدًا لزمًا أحدًا مثل ما لزمته، وكنت أكثر السؤال، فربما تبرم مني، ويقول: يا أبا حنيفة قد انتفخ جنبي وضاق صدري ) ) (1) .

فلم ينل شرف ما نال إلا بشدّة ملازمته ومتابعته لحماد وباقي أشياخه، ومما يدل على أنه لم يلازم أحد في طلب العلم شيخًا، كما لازم أبو حنيفة حمادًا، كما لم يصل أحد إلى ما وصل إليه أبو حنيفة من الفقه في الدين ما رواه أبو الشيخ عن عاتكة أخت حماد بن أبي سليمان - رضي الله عنه: قالت: (( كان النعمان ببابنا يندف قطننا، ويشري لبننا وبقلنا، وما أشبه ذلك، فكان إذا جاء الرجل يسأله عن المسألة، قال: ما مسألتك؟ قال: كذا. وكذا، قال: الجواب فيها كذا، ثم يقول: على رِسلك، فيدخل إلى حمّاد، فيقول له: جاء رجل، فسأل عن كذا، فأجبته بكذا، فما تقول أنت؟ فقال: حدثونا بكذا، وقال أصحابنا كذا، وقال إبراهيم كذا، فيقول: فأروي عنك؟ فيقول: نعم، فيخرج فيقول: قال حماد، كذا ) ) (2) .

فيؤخذ من هذا الحوار كثرة الاعتناء بذكر الأحاديث الواردة في المسألة المذكورة وآراء العلماء لا سيما إبراهيم - رضي الله عنه -؛ لأنه العمدة في الفقه بعد علقمة - رضي الله عنه -؛ ولذلك أكثر حمادٌ - رضي الله عنه - من ذكر قوله؛ لأن هذا الفقه متوارث من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما لم يكن فيه جوابًا عن سلف لهم، قاسوا الجواب فيه على قول من سبقهم.

(1) ينظر: مناقب المكي ص53، وغيرها.

(2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص309، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت