كما يظهر من هذه الرواية الأدب الجم الذي كان عليه الإمام أبو حنيفة مع شيخه من قيامه على خدمته وقضاء حاجته، واستمرار هذا التقدير والاحترام لشيخه بعد موته حتى أنه كان يقدمه على والديه، فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه: (( إنّي لأدعو الله لحماد فأبدأ به قبل أبوي ) ) (1) ، وروي عنه: (( ما مددت رجلي نحو دار حماد إجلالًا له، وكان بين داري وداره سبع سكك ) ) (2) .
وأنشد الموفق في ذلك قائلًا (3) :
بوالديه وبالأستاذ حماد
نعمان كان أبرّ الناس كلهم
شائي بذا كل محمود وحماد
قد كان يدعو له ما عاش مجتهدًا
ولا يحابي لآباء وأولاد
وكان يفتح بالحماد دعوته
أبي الولادة عند الواحد الهادي
أبو الإفادة أولى بالبداية من
ودونه سكك سبع كأطراد
ما مدّ رجليه يومًا نحو منزله
سادسًا: اهتمامه بالحديث:
إنه لا بد للمجتهد المستقل في استخراج الأحكام الشرعية من الحديث النبوي، والإطلاع التام عليه، وهذا حظ كل من اعترفت له الأمة بالاجتهاد المطلق، ودانت له بالتقليد، وعلى رأسهم إمام الأئمة أبي حنيفة، فإنه كان على معرفة تامة بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد طلبه وسعى في تحصيله، حتى صار رأسًا يشار إليه فيه، وإن لم يهتم بالصنعة الحديثية من علو السند، وجمع الطرق، والجلوس للتحديث؛ لأن الفقه والتفقيه واستخراج المسائل استوعب كل وقته وجهده، وإليك بعض كلمات الأئمة الدالة على عنايته بالحديث:
(1) ينظر: أخبار الصيمري ص7، وغيرها.
(2) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص56، وغيره.
(3) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص56 عن مناقب الموفق 2: 9-7