وقد أفاض العلامة الكبير الكوثري في كتابه النفيس (( تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب ) )ببيان جهالة وسقوط رواة أسانيد مثالب الإمام الأعظم.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي (1) في ردِّ ما نقله الخطيب في (( تاريخه ) )من القادحين في أبي حنيفة: (( اعلم أنَّه لم يقصد بذلك إلاَّ جمعَ ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين، ولم يقصد بذلك انتقاصه، ولا حطَّ مرتبته بدليل أنّه قدّم كلام المادحين، وأكثر منه ومن نَقْل مآثره، ثمّ عقبه بذكر كلام القادحين، وممَّا يدل على ذلك أيضًا: إن الأسانيدَ التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من مُتَكلَّم فيه أو مجهول، ولا يجوزُ إجماعًا ثَلْمُ عِرضِ مسلمٍ بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين.
وبفرض صحّة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يُعتدّ به، فإنه إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلِّدٌ لما قاله أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فكذلك لما مرّ أن قول الأقران بعضُهم في بعض غيرُ مقبول، وقد صرَّحَ الحافظان: الذهبيُّ وابنُ حجر بذلك، قالا: لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب، إذ الحسد لا ينجو منه إلاَّ من عصمه الله )) .
الرابعة: إنها قد تكون مدسوسة بأيدي بعض المتلاعبين؛ وسيأتي تجلية ذلك بالبراهين في دسّ ترجمة أبي حنيفة - رضي الله عنه - في (( الميزان ) )، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (2) : (( وأما كون تاريخ الخطيب قد تصرفت فيه الأقلام فأمر لا شك فيه بدلائل ناهضة، وقد تكلم الحافظ ابن طاهر المقدسي في ابن خَيرون، الذي كان وصي الخطيب عند وفاته. وكان الخطيب سلَّم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي، وبينها نسخة الخطيب من تاريخ بغداد، حتى روى الناس تاريخ الخطيب عن ابن خيرون لا عن خط الخطيب....
(1) في الخيرات الحسان في مناقب النعمان 76، 29.
(2) في تأنيب الخطيب ص55.