الصفحة 171 من 306

وكيع - رضي الله عنه -، قال: (( كان أبو حنيفةَ عظيم الأمانة، وكان يؤثر رضاءَ الله على كلّ شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتملها ) ). وقال يحيى بن معين: (( ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتح برأي أبي حنيفة ) ) (1) .

الحافظ ابن عبد البر - رضي الله عنه - (2) ، قال: (( أفرط بعض أصحاب الحديث في ذمّ أبي حنيفة، وتجاوزوا الحدّ في ذلك؛ لتقديمه القياس على الأثر، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بطل الرأي والقياس، لكنه لم يردّ إلاَّ بعض أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدّمه إليه غيرُه وتابعه عليه مثله كإبراهيم النَخَعيّ وأصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه - إلاَّ أنه أكثر من ذلك هو وأصحابه، وغيرُه إنّما يوجَد له ذلك قليلًا، ومن ثَمّ لَمّا قيل لأحمد: ما الذي نُقِمَ عليه؟ قال: الرأي، قيل: أليس مالك تكلَّم بالرأي، قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثر رأيًّا منه، قيل: فهل تكلمتم في هذا بحصَّته وهذا بحصَّته؟ فسكت أحمد.

وقال الليث بن سعد: أحصيتُ على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةٌ لسنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم نجد أحدًا من علماء الأمة أثبت حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمّ ردَّه إلاَّ بحجّة كادِّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحد من غير حجّة لسقطت عدالته، فضلًا عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصول ما سيطول ذكره، وكذلك التابعون (3) .

(1) ينظر: الانتقاء ص211، وغيره.

(2) في جامع بيان العلم 2: 148.

(3) ينظر: الخيرات الحسان 79-80، وفي الكلام زيادة ونقصان عما هو في نسخة جامع بيان العلم المطبوعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت