ونقموا أيضًا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم مَن ينسب إلى الإرجاء كثير لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل فيه كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا مع هذا يحسد وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه )) .
وقال أيضًا (1) : (( الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة، ووثَّقوه، وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه، والذين تكلَّموا فيه من أهل الحديث أكثرَ ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس ـ أي وقد مرّ(2) أن ذلك ليس بعيب ـ والإرجاء.
وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل في الماضين بتباين الناس فيه، قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط، ومبغض أفرط )) .
وقال أيضًا: (( لا نتكلّم في أبي حنيفة - رضي الله عنه - بسوء ولا نصدق أحدًا يسيءُ القول فيه، فإنّي والله ما رأيت أفضل ولا أورع ولا أفقه منه، وكان يزيد بن هبيره أمير العراقين أراد أن يلي القضاء بالكوفة أيّام مروان بن محمد آخر ملوك بني أميّة فأبى عليه فضربَه مئة سوطٍ بعشرةِ أيّام كلَّ يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلمّا رأى ذلك خلَّى سبيله، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد وأرادَ أن يوليه قضاء القضاة، فأبى فحلفَ عليه ليفعلنَّ وحلفَ أبو حنيفةَ أن لا يفعل، وجرى بينهما كلام واستقرّ الإمامُ على الامتناع، فأمر به إلى الحبس ) ) (3) .
(1) في جامع بيان العلم وفضله 2: 149.
(2) أي عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2: 148.
(3) مقدمة الهداية 2: 6.