ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين ولم يقصد بذلك حطَّه عن مرتبتِهِ وانتقاصهِ بدليل أنّه قَدَّمَ كلامَ المادحين، وأكثرَ منه ومن نقلِ مآثره السابقة، إذ أكثرها ممَّا اعتمد أهلُ المناقب فيه على (( تاريخ بغداد ) )للخطيب، ثمّ عقَّبَه بذكر كلام القادحين فيه، وممَّا يدلُّ على ذلك أيضًا؛ أنّ الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبُها من متكلِّم فيه أو مجهولٌ، ولا يجوزُ إجماعًا ثلم أعراض المسلمين بمثل ذلك، فكيف بإمام من أئمة المسلمين، وبفرض صحّة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يعتدُّ به )) .
إن هذه الجرح صادر عن تعصب مذهبي، قال العلامة ابن عبد الهادي الحنبلي في (( تنوير الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة ) ): (( لا تغتر بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء: كأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابه، وتحامل عليهم بكل وجه ) ) (1) .
السادسة: إنه جرحَه سفيانُ الثوريُّ، ويجابه عنه.
إن الثوري من المادحين للإمام أبي حنيفة كما نقله الحافظ ابن عبد البر (2) ، كما سبق، فليعتمد عليه. قال سبط ابن الجوزي (3) : (( على أن مدار الطعن كله على سفيان الثوري، وقد افتري على سفيان، وروي أنه رجع عن ذلك وروي عنه ) ).
إن مطلقَ الجرح إن كان عيبًا يُترك به المجروح، فليترك البُخاري ومسلم والشافعي وأحمد ومالك ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وغيرهم من أجلّة أصحاب المعاني، فإن كلاًّ منهم مجروح ومقدوح، بل لم يَسْلَمْ من الجرح أصحابُ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهل يقول قائل: بقبول الجرح فيهم؟ كلا، والله لا يقول به من هو من أرباب العقول.
(1) ينظر: أبو حنيفة النعمان ص220، والرفع والتكميل ص62-64، وغيره.
(2) في الانتقاء ص197-198.
(3) في الانتصار والترجيح ص12.