فهرس الكتاب
والظاهر من دينهم وأمانتهم أن ذلك من جهة أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقًا وغربًا، وجل عناية أصحاب الدواوين بأناس من الرواة ربما كانت تضيع أحاديثهم لولا عنايتهم بها؛ لأنه لا يستغنى من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء، ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح من الكلام في هؤلاء الأئمة كقول الثوري في أبي حنيفة، وقول ابن معين في الشافعي، وقول الكرابيسي في أحمد، وقول الذهلي في البخاري ونحوها، فقد حملهم شططًا، وهذا البخاري لولا إبراهيم بن معقل النسفي وحماد بن شاكر الحنفيان لكان ينفرد الفربري عنه في جميع الصحيح سماعًا، كما كاد أن ينفرد إبراهيم بن محمد بن سفيان الحنفي عن مسلم سماعًا بالنظر إلى طرق سماع الكتابين من عصور دون طرق الإجازات فإنها متواترة إليهما عند من يعتد بالإجازة كما لا يخفى على من عني بهذا الشأن )) .
ويرى الإمام الكوثري أن سبب انحراف البخاري عن الحنفية (1) : (( كان البخاري نظر في الرأي وتفقّه على فقهاء بخارى من أهل الرأي، ومن أوائل شيوخه: أبو حفص الكبير - رضي الله عنه -، ولما رحل البخاري وعاد إلى بخارى، حسده علماء بلده ، شأن كل من يرتحل للعلم ويعود إلى أهله بالجمّ منه، حتى أمسكوا له فتوى كان أخطأ فيها، فأخرجوه من بخارى بسببها، وأبو حفص الصغير ـ ولد أبي حفص الكبير ـ هو صاحب القصّة في إخراج البخاري من بخارى.
فلما أخرجوه من بخارى بسبب تلك الفتوى انقلب عليهم، وجرى بينه وبينهم ما جرى كما سبق للبخاري مثيله مع المحدثين في نيسابور، فأخذ يبدي بعض تشدّد نحوهم في كتبه، مما هو من قبيل نفثة مصدور، لا تقوم بها الحجة، ويرجى عفوها له ولهم، سامحهم الله تعالى )) .
(1) في حسن التقاضي ص86-89.