الصفحة 203 من 306

وقال الإمام اللكنوي (1) : (( خلاصة المرام في هذا المقام: أنّه لا شبهةَ في كونِ أبي حنيفة ثقةٌ، وكونِ روايته معتبرةٌ مصححةٌ، والجروحُ الواقعةُ عليه: بعضُها: مبهمةٌ. وبعضُها: صادرةٌ من أقرانه. وبعضُها: من المتعصِّبين المخالفين له. وبعضُها: من المشدِّدين المتساهلين. فكلُّها غيرُ مقبولةٍ عند حُذَّاق العلماء، وإن آمن بها جمعٌ من السفهاء، فاحفظ هذا كلَّه بقوة الحافظة، ينفعُك في الدنيا والآخرة ) ).

ونختم كلامنا بعد ذكر الطاعنين بكلمة لطيفة لمحدث العصر شبير العثماني فيما ينبغي على المسلم أن يكون عليه من النظر لعلمائه رغم ما ورد منهم في بعضهم (2) : (( اعلم أن الذين طعنوا في إمامنا أبي حنيفة، وتحاملوا عليه من أكابر أقرانه، لا نظنّ بهم إلا خيرًا، فإن المؤمن الغيور الصادق في نيّته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء، يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، وردّ أحاديث سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن الواقع كذلك تأخذه غيرةٌ دينيّة، وحَميّة إسلامية، ينشأ عنها غضب في الله تعالى على ذلك القائل وإبغاضه لوجه الله تعالى.

فيحمله على الوقيعة وإغلاظ القول فيه، والتكلّم بمستشنعات الأقوال في حقه، ظنًا منه أنه بصنيعه هذا مناضل عن الدين، وذابّ عن حوض الشريعة.

ومثاله ما تكلم به مسلم في حق البخاري في بحث اشتراط اللقاء في مقدمة (( صحيحه ) )، ظنًا منه أن الأصل الذي أصله البخاري إن سلّم صحته لكان مستلزمًا لرد ذخيرة من الأحاديث الصحيحة وتوهينها، فاشتد نكيره على تلك المقال وقائلها بأشنع ما يمكن، ومع هذا فعامّة الشرّاح قد رجحوا مذهب البخاري وصوبوه ولم يلوموا مسلمًا في تشديده وتغليظه (3) .

(1) في غيث الغمام 146.

(2) في فتح الملهم بشرح صحيح مسلم 1: 73.

(3) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في هامش الانتقاء ص272: الصحيح أن مسلمًا يعنى بكلامه علي بن المديني كما بينته في آخر الموقظة للذهبي ص134-140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت