إن المرجئة: يكتفون في الإيمان بمعرفة الله ونحوه، ويجعلون ما سوى الإيمان من الطاعات وما سوى الكفر من المعاصي: غير مضرة ولا نافعة، ويتشبثون بظاهر حديث: (( من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة ) ) (1) .
وأهل السنة: يقولون: لا تكفي في الإيمان المعرفة، بل لا بُدَّ من التصديق الاختياري مع الإقرار اللساني وإن الطاعات مفيدة، والمعاصي مضرّة مع الإيمان، توصل صاحبها إلى دار الخسران.
والذي يجب علمه على العالم المشتغل بكتب التواريخ وأسماء الرجال: أن الإرجاء يطلق على قسمين:
أحدهما: الإرجاء الذي هو ضلال، وهو الذي مر ذكره آنفًا.
وثانيهما: الإرجاء الذي ليس بضلال، ولا يكون صاحبه من أهل السنة والجماعة خارجًا، ولهذا ذكروا أن المرجئة فرقتان، مرجئة الضلالة، ومرجئة أهل السنة، وأبو حنيفة وتلامذته وشيوخُه وغيرهم من الرواة الأثبات إنِّما عدوا من مرجئة أهل السنة لا من مرجئة الضلالة )) .
وقال (2) : (( ومن العجب أن غَسَّان كان يحكي عن أبي حنيفة مثل مذهبه ويعدّه من المرجئة! ولعلَّه كذَّب عليه؟
ولعمري كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه: مرجئة السنة.
ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، نسب إليه أنه يؤخِّر العمل عن الإيمان، والرجل مع تبحرُّه بالعلم كيف يفتي بترك العمل؟!
وله سبب آخر، وهو أنه كان يخالف القدريّة والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول. والمعتزلة كانوا يلقَّبون كلُّ مَن خالفَهم في القدر مرجئًا. وكذلك الوعيدية من الخوارج، فلا يبعد أن اللقب إنّما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج )) .
(1) في صحيح مسلم 1: 55، صحيح ابن حبان 1: 430، وغيرهما.
(2) في الملل والنحل 1: 126.